اختلف العلماء في المراد من الأحرف السبعة في الأحاديث المذكورة اختلافًا كبيرًا، حتى قال السيوطي: اختُلِفَ في معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولًا. (1)
والناظر في تلك الأقوال يقطع بأن أكثرها متداخل، وكثيرٌ منها لا يُعلم قائله، ولا يُعلم له دليلٌ يؤيده عند النظر والتمحيص.
قال المرسي: (2) هذه الوجوه كلها متداخلةٌ، ولا أدري مستندها، ولا عمَّن نُقلت، ولا أدري لمَ خصَّ كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بِما ذكر؛ مع أنَّ كلها موجودة في القرآن، فلا أدري معنى التخصيص! وفيها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة، وأكثرها يعارضه حديث عمرَ مع هشام بن حكيمٍ الذي في الصحيح، فإنَّهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه، إنَّما اختلفا في قراءة حروفه، وقد ظنَّ كثيرٌ من العوامِّ أن المراد بِها القراءات السبعة، وهو جهلٌ قبيح. (3)
والذي يستحق المناقشة من هذه الأقوال ستة أقوال:
القول الأول: أن الحديث من المشكل المتشابه الذي لا يُعلم معناه، لأن الحرف مشترك لفظي، يصدق على معانٍ كثيرة، كالكلمة والمعنى، وحرف الهجاء، والجهة، ولم يُعيَّن المراد منها في الحديث.
وهو قول أبي جعفر محمد بن سعدان النحوي. (4)
ويُرَدُّ هذا القول بأنه لا يلزم من مجرد الاشتراك اللفظي الإشكال الصارف عن إدراك معنى المقصود؛ لأن المشترك اللفظي يترجح أحد معانيه بقرينة لفظية أو حالية.
وقد قامت القرائن على تعيُّن أحد المعاني، ومنع ما عداه، فلا يصح إرادة الكلمة هنا، لأن القرآن مؤلف من كلمات كثيرة، وليس من سبع فقط، ولا يصح إرادة المعنى، لأن معاني القرآن كثيرة جدًّا تفوق الحصر، ولا يصح إرادة حرف الهجاء، لأن القرآن مشتمل على جميع حروف الهجاء، لا على سبعة منها فقط، فتعيَّن أن المراد بالحرف هنا هو الجهة، وبذلك يبطل القول بإشكال معنى الحديث.
كما يُرَدُّ بِما ثبت في نص الحديث من أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أُمِر أن يقرئ أمته بِهذه الأحرف، وأنه قد فعل، وأمر أمته أن تقرأ القرآن بِها، وقد فعلت، فقرأ الصحابة - رضي الله عنهم - على هذه الأحرف، فهي معلومة لدى الكثير منهم، فلا يعقل أن يكون الحديث مع كل ذلك من المتشابه الذي لا يُدرى معناه.
ويُرَدُّ أيضًا بأن الحديث نص على أن الحكمة من إنزال الأحرف السبعة هو التيسير على الأمة، فكيف يتحقق التيسير بشيء مجهول؟!
القول الثاني: أن حقيقة العدد غير مرادةٍ، وذلك لأن لفظ السبعة يطلق في لسان العرب ويراد به الكثرة في الآحاد، كما يطلق لفظ السبعين ويراد به الكثرة في العشرات، ولفظ السبعمائة ويراد به الكثرة في المئات.
وهو مذهب القاضي عياض ونحى هذا المنحى القاسمي، والرافعي. (5)
ويردُّ هذا القول أن الأحاديث الواردة في هذا الأمر صريحة في إرادة حصر العدد في السبعة، ففيها استزادة الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - من جبريل الأحرف حرفًا حرفًا، وهذا قرينة على أن