وقد روى ابن أبي داود بسنده عن بعض أهل طلحة بن مصرِّف، أنه قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر. (6)
وهذا الأثر ضعيفٌ، ففيه مجهول، وهو الراوي عن طلحة بن مصرِّف، ومع ذلك فهو مناقض لِمَا صحَّ من الآثار السابقة في الصحيح وغيره، أن عثمان - رضي الله عنه - أحرق المصاحف، وأنه لم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك.
وقد اتفق الصحابة - رضي الله عنهم - مع عثمان على ما أراد من تحريق المصاحف التي كانوا يكتبونَها، فاستجابوا له وحرقوا مصاحفهم.
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنه قال: يا أيها الناسُ، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله، ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصاحفِ إلاَّ عن ملأٍ منَّا جميعًا، قال: واللهِ، لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثلَ الذي فعلَ. (7)
وعن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان - رضي الله عنه - المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعِبْ ذلك أحدٌ. (8)
وأما الصحف التي كتبت في زمن أبي بكر - رضي الله عنه -، فقد ردَّها عثمان - رضي الله عنه - إلى حفصة بعد كتابة المصاحف، كما في حديث أنس بن مالك أنه قال: حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ. (9)
وقد أبقى عثمان - رضي الله عنه - الصحف التي كان كتبها أبو بكر، لأنه كان قد وعد حفصة -رضي الله عنها- أن يردَّها إليها، كما في الحديث المذكور آنفًا، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ.
وعند ابن أبي داود من طريق ابن شهاب عن سالم قال: فأرسل إليها عثمان، فأبت أن تدفعها إليه، حتى عاهدها ليَرُدَّنَّها إليها، فبعثت بِها إليه. (10)
ويحتمل أنه أبقاها أيضًا لاحتمال الرجوع إليها؛ لأنَّها كانت أصلًا لمصاحفه، وانعقد عليها إجماع الصحابة، وأما غيرها، فقد تكون مخالفةً لمصاحفه؛ فتكون سببًا للاختلاف.
قال الجعبري: ونزل تحريقه ما سواها (11) على مصاحف الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لأنَّهم كانوا