النبوي والبكري.
ونستطيع أن نستخلص من العرض السابق الأمور الآتية:
1 -أن النسخ قد شمل بعض الأحرف السبعة في العرضة الأخيرة، ويدل على ذلك عدم ورود كلمة من الكلمات القرآنية تقرأ على أكثر من ستة أوجه من طريق متواتر.
وقد اعترض بعض على ذلك بأن موضوع النسخ لا يشمل الألفاظ.
قال ابن قدامة: وأحال قومٌ نسخ اللفظ، فإن اللفظ إنَّما نزل ليُتلى ويُثاب عليه، فكيف يُرفع؟
والمقصود من ذلك أن النسخ: هو رفع حكم شرعي بخطاب متراخ عنه، وليس في نسخ تلاوة اللفظ رفع حكم شرعي. (7)
ثم أجاب ابن قدامة عن ذلك فقال: فإن التلاوة، وكتابتها في القرآن، وانعقاد الصلاة بِها، من أحكامها، وكل حكمٍ فهو قابل للنسخ، وأما تعلقها بالمكلَّف في الإيجاب وغيره فهو حكم أيضًا يقبل النسخ. (8)
2 -أن الأحرف السبعة لم تنسخ كلها، لأن الأصل إباحة القراءة بِها، ولم يدل دليلٌ على نسخ تلك الإباحة في زمن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -.
3 -أنَّه لا يُعلم قدر ما نسخ من الأحرف السبعة في حياة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، إذ لا دليل عليه، ويرى بعض العلماء أن المنسوخ من تلك الأحرف أكثر مِما بقي، نظرًا لِما يرونه من الكثرة العظيمة في الروايات التي تعج بِها كتب التفسير من القراءات غير الثابتة، باعتبار أنَّها في أحسن أحوالها قراءات منسوخة.
وقد اتفق العلماء على أن جمع القرآن في زمن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، بقي على نفس الصورة التي تركها عليه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتغير منه شيء، سواء في ذلك من رأى أن الأحرف السبعة باقية كلها، ومن قال إن الأحرف نسخت ولم يبق إلا واحدٌ، ومن ذهب إلى أن الباقي بعض الأحرف السبعة. (9)
(1) انظر الفصل الرابع من الباب الأول، وهو العرضة الأخيرة.
(2) انظر البرهان في علوم القرآن (1/ 220) .
(3) رواه مسلم في صحيحه كتاب الرضاع باب التحريم بخمس رضعات (10/ 29 - 31) ح 1452.
(4) رواه أحمد في مسنده، مسند بني هاشم (1/ 598) ح 3412، ورواه النسائي في السنن الكبرى كتاب فضائل القرآن (3/ 7) ، وكتاب المناقب (4/ 36) .
(5) شرح السنة (4/ 525) .
(6) النشر في القراءات العشر (1/ 32) ، وانظر الإتقان في علوم القرآن (1/ 142) .
(7) انظر روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة (1/ 190) .
(8) روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة (1/ 201 - 202) .
(9) انظر: البرهان في علوم القرآن (1/ 223) ، ومناهل العرفان (1/ 253 - 254) .