لما ثبت في العرضة الأخيرة.
قال ابن الجزري: وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنَّ هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي - صلى الله عليه وسلم - على جبريل - عليه السلام -، متضمنة لَها، لم تترك حرفًا منها.
قال: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة، والآثار المستفيضة تدلُّ عليه، وتشهد له. (14)
واحتج أصحاب هذا القول بِما احتج به أصحاب المذهب الثاني على بقاء بعض الأحرف السبعة، والحاجة إليها، واحتجوا على أن السبعة لم تبق كلها بِما ورد من الآثار التي تدل على حدوث النسخ في العرضة الأخيرة لبعض أوجه القراءة، فكتب الصحابة في المصاحف عند الجمع ما تيقنوا أنه قرآن ثابت في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى ذلك.
قال السيوطي: ولا شك أن القرآن نُسخ منه في العرضة الأخيرة وغُيِّر، فاتفق الصحابة على أن كتبوا ما تحققوا أنه قرآن مستقرٌّ في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى ذلك. (15)
وقال البغوي في شرح السنة: يُقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نُسخ وما بقي، وكتبِها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقرأها عليه، وكان يُقرئ بِها الناس حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف. (16)
وقد وردت الآثار بأن القرآن قد نسخ منه وغُيِّر في العرضة الأخيرة، وأن قراءتنا التي جمعها الصحابة هي ما كان في تلك العرضة.
فَعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ أنه قال: القراءة التي عُرِضَت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العام الذي قبض فيه -هذا القراءة التي يقرأها الناس. (17) يعني بذلك قراءة زيد بن ثابت - رضي الله عنه -.
وعن سمرة - رضي الله عنه - قال: عُرض القرآنُ على رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه العرضة الأخيرة. (18)
وعن ابن سيرين، قال: كان جبريل يعارض النبي - صلى الله عليه وسلم - كل سنة في شهر رمضان مرةً، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين، فيرون أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة. (19)
(1) انظر البرهان في علوم القرآن (1/ 224، 226، 239، 241) ، وشرح النووي على صحيح مسلم (6/ 100) .
(2) البرهان في علوم القرآن (1/ 223) .
(3) يعني القول بأنَّها أوجه من المعاني المتفقة، بالألفاظ المختلفة، نحو أقبل، وهلم، وتعال ... الخ.
(4) انظر البرهان في علوم القرآن (1/ 220) .
(5) صحيح مسلم بشرح النووي (6/ 100) .
(6) رواه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب باب نزل القرآن بلسان قريشٍ (6/ 621) ح 3506.
(7) تأويل مشكل الآثار للطحاوي (4/ 190 - 191) ، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (6/ 100) .