تابع المبحث الثاني: الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية
القول الراجح
والقول الذي يظهر صوابه هو ما ذهب إليه جماهير العلماء من السلف والخلف من أن الباقي من الأحرف السبعة هو ما ثبت في العرضة الأخيرة، وأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يختاروا بعض الأحرف الثابتة دون بعض، بل دونوا ونقلوا كل ما ثبتت قرآنيته، وتركوا ما سوى ذلك.
ولكن ينبغي التنبه إلى أن قولهم: إن المصاحف غير مشتملة إلاَّ على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي - صلى الله عليه وسلم - على جبريل، متضمنة لها، لم تترك حرفًا منها -فيه نوع تناقض، إذ قد يُفهم منه أن هناك شيئًا من الأحرف السبعة عرضه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - على جبريل في العرضة الأخيرة، ولم يكتبه الصحابة في المصاحف العثمانية.
فالأولى أن يقال جامعة للعرضة الأخيرة، ويلغى التقييد بِما يحتمله رسم المصاحف، إذ قد علمنا أن الصحابة - رضي الله عنهم - قد كتبوا مصاحف متعددة، وفاوتوا بينها ليحتمل البعض منها من أوجه القراءة ما لا يحتمله البعض الآخر.
ويدل على صحة هذا القول مجموع الأدلة السابقة، فلا شكَّ أن الحكم ببقاء الأحرف السبعة أو عدم بقائها مبنيٌّ على المراد بالأحرف السبعة، ونحن إذا نظرنا إلى كافة الأقوال التي ذكرناها في المراد بالأحرف السبعة، بقطع النظر عن الراجح منها وجدنا في القرآن بعض تلك الأوجه بلا شكٍّ.
أمَّا على القول بأن الحديث مشكلٌ لا يُدرى معناه، فلا إشكال في بقاء الأحرف السبعة أو عدم بقائها، فليس لهذا القول -على ضعفه الشديد- أثرٌ على اعتبار الأحرف السبعة باقية أو غير باقية.
وأمَّا على القول الثاني القائل بأن حقيقة العدد غير مرادةٍ، بل المراد الكثرة، فلا إشكال أيضًا، إذ القراءات المتواترة التي نقلت إلينا فيها كثرةٌ ظاهرةٌ، لا يمكن معها الزعم بأن كل هذه الاختلافات هي حرفٌ واحد.
وأمَّا على القول الثالث القائل بأن المقصود سبعة أصناف من المعاني والأحكام، وهي: الحلال والحرام، والأمر والزجر، والْمحكم والمتشابه، والأمثال، فلا شكَّ أن القرآن المنقول إلينا فيه كل ذلك، وهو أمر ظاهر جلي.
على أن كل الأوجه السابقة في غاية الضعف.
وأمَّا على القول الرابع القائل بأن المراد سبع لغات من لغات العرب الفصحى متفرقة في القرآن لا تجتمع في الكلمة الواحدة، فذلك أيضًا كثيرٌ في القرآن، فقد ورد فيه من غير لسان قريش شيء كثير، وقد أفرده بعض العلماء بالتصنيف، ونقل السيوطي من ذلك الكثير في باب أفرده فيما وقع بغير لغة الحجاز، وذكر فيه ما وقع في القرآن على نحو ثلاثين لغة من لغات العرب. (1)
وقد سبق الرد على هذا القول وبيان ضعفه.
وأمَّا على القول الخامس القائل بأن المراد سبع لغات تكون في الكلمة الواحدة