وقال أيضًا: القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين. (15)
فكان من أهداف الجمع الصوتي التي رمى إليها صاحب المشروع -أن يجمع القرآن على جميع الروايات الثابتة، ويقصد بِها الروايات التي رويت عن الأئمة العشرة، على أن تجمع كل رواية في ختمة مستقلةٍ على غرار ما فعل عثمان في جمع المصاحف، لَمَّا وزَّع ما لا يحتمله الرسم الواحد على أكثر من مصحف من المصاحف التي كتبها.
وكان الهدف من جمع تلك الروايات جمعًا صوتيًّا -نشرُها بين المسلمين، إذ إن معرفة عوامِّ المسلمين بالقراءات في تناقص مستمر، ولا فضل لقراءة على غيرها، فجميعها وحيٌ منزل، وكلها كلام الله تعالى، ولا شكَّ أن تيسيرها للناس مسموعةً يسهل نشرها، فإن معرفة القراءات من بطون الكتب عسيرة على المتخصصين في العلوم الشرعية، فضلًا عن العوامِّ، ولا يمكن معرفتها إلا عن طريق شيوخ القراءة، ومن العسير على الكثيرين الوصول إليهم، لأنهم قليلٌ، كما تخلو كثير من البلدان منهم، وفوق ذلك تحتاج تلك المعرفة إلى دراسة شاقة طويلة، ولا يحتاج إليها العامَّة، بل يكفيهم أن يسمعوا كافة الروايات كما يسمعون الرواية المشهورة في بلادهم في الصلوات وغيرها.
ومِمَّا يلحق بِهذا الهدف المنع بالقراءة بغير تلك القراءات المتواترة من القراءات الشاذة التي تخالف مصحف عثمان - رضي الله عنه -، وإن صحَّ سندها، وكان لَها وجهٌ من العربية. (16)
وقد نقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشواذِّ، ولا يُصَلَّى خلف من يقرأ بِها. (17)
وقال ابن الصلاح: يُشترط أن يكون المقروء به على تواتر نقله عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قرآنًا واستفاض نقله بذلك، وتلقته الأمة بالقبول، كهذه القراءات السبع؛ لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع -على ما تقرر وتَمهَّد في الأصول- فما لم يوجد فيه ذلك مِمَّا عدا العشرة، فممنوعٌ من القراءة به، منعَ تحريمٍ، لا منعَ كراهةٍ، في الصلاة وخارج الصلاة ... ، وواجبٌ على من قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقوم بواجب ذلك ... ، ويجب منع القارئ بالشواذِّ وتأثيمه بعد تعريفه، وإن لم يمتنع فعليه التعزير بشرطه. (18)
ولا شك أن المعرفة بالأوجه الثابتة المتواترة عن طريق التلاوات المسجلة يعين الكافة على التمييز بين القراءات المتواترة والشاذة.
ثانيًا: التعليم
تعليم القرآن شعارٌ من شعارات الدين، أخذ به المسلمون، ودرجوا عليه في جميع البلدان، وجعلوه أصل كل تعليمٍ، فبدءوا تعليم الصغار به، ووقف أثرياء المسلمين الكثير من أموالهم على هذا التعليم.
ولا شك -كما مرَّ قريبًا- أن تعليم القرآن يحتاج إلى المشافهة والسماع، وكثير من المسلمين قد يتعذر عليهم هذا الأمر بسبب بعد القراء عنهم، كما أن في المجتمع النساءُ