فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة. (8)
وزاد الحافظ ابن حجر وجهًا أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره. (9)
وقد بلغ من عناية النبي - صلى الله عليه وسلم - بتدوين القرآن أنَّه كان إذا أنزل عليه شيءٌ يدعو أحد كُتَّابه، ويأمره بكتابة ما نزل عليه - ولو كان كلمة واحدة، أو سورة طويلة - بمجرد نزوله عليه:
فعن عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، قال: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِمَّا تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا. (10)
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ كُنْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى فَخِذِي فَمَا وَجَدْتُ ثِقْلَ شَيْءٍ أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: اكْتُبْ فَكَتَبْتُ فِي كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ وَالْمجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ فَقَامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَمَّا سَمِعَ فَضِيلَةَ الْمجَاهِدِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ بِمَنْ لا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ فَلَمَّا قَضَى كَلامَهُ غَشِيَتْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي وَوَجَدْتُ مِنْ ثِقَلِهَا فِي الْمرَّةِ الثَّانِيَةِ كَمَا وَجَدْتُ فِي الْمرَّةِ الأُولَى ثُمَّ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ اقْرَأْ يَا زَيْدُ فَقَرَأْتُ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمؤْمِنِينَ {فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -} غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ، (11) الآيَةَ كُلَّهَا. قَالَ زَيْدٌ: فَأَنْزَلَهَا اللهُ وَحْدَهَا، فَأَلْحَقْتُهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ فِي كَتِفٍ. (12)
وروى أبو صالح عن ابن عباس في سورة الأنعام، قال: هي مكية، نزلت جُملة واحدة، نزلت ليلًا، وكتبوها من ليلتهم. (13)
سبب جمع القرآن كتابة في العصر النبوي
وعد الله تعالى بحفظ الكتاب الكريم، قال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، (14) ولما كانت الكتابة من أسباب الحفظ، فقد يسرها الله للمسلمين، وأمر بِها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفعلها كُتَّابه بحضرته - صلى الله عليه وسلم -، هذا، وقد كان لكتابة القرآن أسباب أخرى،