عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُود يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِى أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» . فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ. [1]
كما شرع الله لنبيه الصلاة أولا إلى بيت المقدس؛ إذ كان قبلة الأنبياء، فبعث بما بعث به الرسل قبله وبما يعرفه أَهْل الْكِتَابِ؛ ليؤكد لهم أنَّ دعوته هي دعوة الرسل بعينها، وليس بدعًا من الرسل، ولا مخالفًا لهم بل مصدقًا لهم مؤمنا بهم، فلما لم يؤثر فيهم ذلك التآلف، وأصروا على العناد والجحود، وأبوا الإيمان به، أمره الله تعالى بمخالفتهم، وبين له أن هؤلاء الْيَهُود والنَصَارَى قوم ذوو عناد؛ لا يمكن أن يرضوا عنك مهما تألفتهم؛ فإنهم لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم. كما قال (( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُود وَلا النَصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير (ٍ(البقرة:120) ... وقد أقام (الحجة على صدقه وصحة نبوته، و استفاضت الآثار عن أهل الكتاب زمن النبوة أنَّهم كانوا يعلمون بصدقه، ويستفتحون على المُشرِكِينَ به، فلما جاء من العرب حسدوه وأبوا الإيمان به. فلم آيس النَّبِيّ من إيمانهم، وسلك كل طريق لهدايتهم فأبوا إلا الجحود والنكران، والتآمر على الدعوة الإسلامية، والتعاون مَعَ أعدائها، والكيد لها ليل نهار حدثت تلك المصادمات التي كانوا هم سببها.
إن الكاتب ينكر تلك البداية المأساوية للحوار الإسلامي النصراني، إن مأسوية هذه البداية عند الكاتب تتمثل في عجز نَصَارَى نَجْرَان على إقامة الحجة على صحة عقيدتهم، وإقرارهم بصدق النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وانقطاعهم في المحاورة معه، فلما أبوا قبول الحق بعد قيام الحجة عليهم به، وإبطال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم للشبهات التي تعلقوا بها، دعاهم بأمر من ربه إلى المُبَاهَلَةِ.
وما ضر الصادق المتيقن من دينه وعقيدته، المصر عليها إن دعي إلى المُبَاهَلَةِ، وإنما امتنع أولئك النَصَارَى عن هذه المباهلة؛ لعلمهم بصدق النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأنهم إن باهلوه لم يفلحوا.
إن هذا الكلام من هذا الكاتب وغيره كثيرٌ ليدل على نوعية الحوار الذي يريده أولئك النَصَارَى، إنهم لا يريدون حوارًا على نهج النبوة، وإنما يريدون حوارا تبرز فيه المجاملة والمداهنة إلى أقصى صورها؛ لاستقطاب أصحاب الأهواء وترويج الدعاية على الأغمار والجهلاء.
حوار يتخلى فيه المسلمون عن عقيدتهم وشريعتهم، عما أمرهم الله به من ولاء وبراء، في الوقت الذي ينشطون هم في جد ودأب في نشر التنصير، وتوسيع دائرته، إنَّ الحوارَ المطلوبَ منَّا هو حوارُ على نهج حوارات مؤتمرات السلام العربي/ الإسرائيلي حيث يجتمَعَ الفرقاء على مائدة واحدة للتفاوض من أجل السلام، وفي الوقت ذاته تقوم الآلية العسكرية لأولئك الذين يجلسون من أجل السلام -
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصيام، باب صيام يوم عاشوراء (4/ 287) (ح2002) . وأخرجه مسلم كتاب الصيام باب صوم يوم عاشوراء (8/ 9) .