على تحريم الانتفاع بها ما جاز الاستصباح بشحوم الميتة وطلي السفن بها ودهن الجلود وغير ذلك من وجوه الانتفاع وهذا الكلب نجس ويباح الانتفاع به في صيد وحراسة ونحوهما.
دليل من قال: إن الخمر طاهرة.
الدليل الأول:
1 -النجاسة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي ولم يرد في الشرع نص يقتضي النجاسة الحسية للخمر، والأصل في الأشياء الطهارة، والخمر طاهرة قبل تحريمها، فكذلك بعد تحريمها، والتحريم وحده لا يقتضي النجاسة.
ألا ترى إلى السم، فإنه محرم الأكل، ومع ذلك ليس بنجس، وهي مصنوعه من أشياء طاهرة كالعنب ونحوه، وكونه يتخمر ويشتد ويغلي فهذا لا يقتضي النجاسة، فإن اللحم قد ينتن وتتغير رائحته، ومع ذلك لا يقال عنه إنه نجس.
2 -عن أنس رضي الله عنه قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديًا ينادي: ألآ إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: أخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة. [1]
وجه الدلالة / لو كان الصحابة يعتقدون نجاستها لتحروا لإراقتها أماكن النجاسات ولنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أراقتها في الشوارع كما نهاهم عن التخلي في الطريق والظل.
وأجيب عنه:
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: إن الصحابة أراقوا هذا؛ لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم، وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت.
ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفه ومشقه ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، وأيضًا فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة واسعة ولم يكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرًا يعم الطرق كلها، وإنما جرت في مواضع يسيره، ويمكن التحرز عنها هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك. والله أعلم بها. [2] ويمكن أن يتعقب هذا:
(1) البخاري (2464) كتاب المظالم / باب صب الخمر في الطريق مسلم (1980) كتاب الأشربة - باب تحريم الخمر.
(2) الجامع لأحكام القرآن (6/ 288) .