وهذا الذي انتهى إليه الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار والسيل الجرار [1] قال فيه: وحقيقة النهي التحريم، ولا يصرف ذلك ما روي أنه فعل ذلك،
فقد عرفناك أن فعله - صلى الله عليه وسلم - لا يعارض القول الخاص بالأمة، إلآ أن يدل دليل على أنه أراد الاقتداء به في ذلك وإلا كان فعله خاصًا به.
وهذه المسألة مقررة في الأصول محررة أبلغ تحرير وذلك هو الحق كما لا يخفى على كل منصف، ولو قدَّرنا أن مثل هذا الفعل قد قام ما يدل على التأسي به فيه لكان خاصًا بالعمران، فإنه رآه وهو في بيت حفصة كذلك بين لبنتين 000 أهـ [2]
ويستدل لذلك.
بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. [3]
وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: رقيت يومًا بيت حفصة فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبه [4]
وبهذا الحديث حمل العلماء النهي على الكراهة أو بالقول: إن التحريم في الصحراء والاباحة في البنيان وهذا القول رجحه الشيخ سيد سابق ومما يقوي هذا ما جاء عن مروان الأصغر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها فقلت: أبا عبد الرحمن ... أليس قد نهى عن ذلك؟ قال: بلى ... إنما نهى عن هذا في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس [5]
ولكن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى علقَّ على هذا الأثر بقوله:
وأما قول ابن عمر في حديث مروان الأصغر الذي ذكره المؤلف عقب الحديث السابق: إنما نهى عن هذا في الفضاء فليس صريحًا في الرفع، بل يمكن أن يكون ذلك فهمًا منه لفعله - صلى الله عليه وسلم - في بيت حفصه فلم ينهض دليلًا للتخصيص بالصحراء كما بينه الشوكاني [6]
(2) الاختيارات الفقهية للألباني (39) .
(3) رواه أحمد (2/ 247) ومسلم (60/ 265) واللفظ لمسلم.
(4) رواه الجماعة.
(5) رواه أبو داود (4/ 11) ج1.
(6) السيل الجرار (ص196) ونيل الأوطار (1/ 73) .