الصفحة 50 من 74

ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه وتعالى، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إللا غيره فهو يقول: ما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضالك ومعافاتك، هو بمشيئتك وإرادتك إن شئت أن ترضي عن عبدك وتعافيه، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فأعذني مما أكره وامنعه أن يحل بي، وهو بمشيئتك أيضًا، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك.

فإن قيل: كيف يريد الله أمرًا ولا يرضاه؟

قيل: إن المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره.

فالمراد لنفسه مطلوب ومحبوب لذاته وما فيه من الخير.

والمراد لغيره قد لا يكون مقصودًا لمن يريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث أنه وسيلة إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما.

وهذا كالدواء الكرية إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتآكل إذا علم أنه في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه.

بل العاقل يكتفي في إيثار هذه المكروه وإرادته بالظن الغالب وإن خفيت عنه عاقبته، فكيف بمن لا يخفي عليه خافية، فهو سبحانه يكره الشيء وقد يريده لكونه سببًا إلى أمر هومحبوب إليه.

من ذلك أنه خلق إ[ليس الذي هو سبب فساد الأغمال والاعتقادات، وسبب لشقاوة كثير من العباد وعملهم بما يغضب الرب سبحانه وتعالى، وهو السعى في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة لله تعالى ترتبت على خلقه، ووجودها أحب إليه من عدمها.

منها أنه يظهر للعباد قدرة الله تعالى على خلق المتضادات المتقابلات.

فخلق هذه الذات التي خي أخبث الذوات وسبب كل شر في مقابلة ذات جبرائيل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها وهي سبب كل خير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت