أن لا يسبقه اختلاف سابق في المسألة (1) ، فإذا اختلف أهل عصر في مسألة وماتوا على ذلك الخلاف، فلا يمنع هذا الاختلاف انعقاد الإجماع وارتفاع هذا الخلاف (2) .
وهذا بخلاف ما إذا اجتمعت الأمة على أقوال في مسألة فإن ما عداها هذه الأقوال باطل، ولا يجوز لمن بعده إحداث قول آخر (3) .
خامسًا: مراتب الإجماع:
المرتبة الأقوى:أقواها مرتبة أعلاها درجة في الإجماع القولي والفعلي للصحابة، فالأمة متفقة على ذلك، واعتبار إجماعهم هذا حجة مقطوعًا به، مثل الآيات والخبر المتواتر حتى يكفر جاحده.
الثانية: الوسطى: بعد الإجماع السكوتي أوسطها درجة بالنسبة إلى صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكن حجيته على سبيل القطع مختلف فيها بين فقهاء الأمة كما سبق.
المرتبة الدنيا: تنحصر في إجماع من بعد الصحابة - رضي الله عنهم - من فقهاء كل عصر، فهو حجة عند جمهور من فقهاء الأمة، ولكن لا على سبيل القطع؛ لأن اختلاف من لا يعتبر الإجماع إلا إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - يخرجه عن كونه قطعيًا، ولذلك ينزل منزلة السنة المشهورة، كما أنه لا يكفر جاحده (4) .
سادسًا: نقل الإجماع:
إن نقل إلينا إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - بإجماع كل عصر على نقله بالتواتر، فإنه يكون حجة قطعية موجبة للعلم والعمل قطعًا حتى يكفر جاحده، كإجماعهم على كون القرآن كتاب الله - جل جلاله - وفرضية الصلاة وغيرها.
(1) وذهب الشافعي - رضي الله عنه - إلى أن هذا الخلاف يمنع انعقاد الإجماع في العصر الثاني. ينظر: شرح ابن ملك 2: 741، وغيره.
(2) ينظر: شرح ابن ملك ص 739-741، وغيره.
(3) هذا قول الجمهور، وأجازه الظاهرية محتجين بأن الممنوع منه إنما هو مخالفة الإجماع، ولا إجماع مع مخالفة هذا الخلاف. ينظر: حاشية الرهاوي ص747، وشرح ابن ملك ص745- 746، وغيرها.
(4) ينظر: مكانة الإجماع وحجيته ص 66-67، وشرح ابن ملك ص746-747، وغيرها.