قال - جل جلاله: { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } (1) ، والاعتبار: هو النظر في الحكم الثابت في الشيء أنه لأي معنى ثبت، وردّ نظيره إليه في الحكم، وقياس غيره عليه، فكأنه قال: قيسوا الشيء على نظيره، وهو شامل لكل قياس: كقياس الفروع الشرعية على الأصول، فيكون إثبات حجية القياس ثابتًا بالنص (2) .
قال - جل جلاله: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } (3) : أي إلى حكم الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شكّ أن التنازع إنما يقع في الأمر الخفي الذي يحتاج فيه إلى الرأي دون الحكم الظاهر الجلي؛ ولهذا قال الله - عز وجل: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } (4) ، فكأن الأمر بالردّ إلى حكم الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بواسطة الرأي والاجتهاد يكون أمرًا بالمقايسة (5) .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه: (بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله بما يرضى به رسوله) (6) ، ولو لم يكن القياس حجة موجبة للعمل بعد الكتاب والسنة لأنكر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولما مدحه به، ولما حمد الله - جل جلاله - بتوفيقه لمعاذ - رضي الله عنه - بالعمل بالرأي والاجتهاد (7) .
(1) الحشر:2.
(2) ينظر: نور الأنوار 2: 115، وميزان الأصول 2: 804، وغيرها.
(3) النساء: من الآية59.
(4) النساء: من الآية83.
(5) ينظر: ميزان الأصول 2: 804، وغيره.
(6) سبق تخريجه.
(7) ينظر: نور الأنوار 2: 115، وميزان الأصول 2: 805، وغيرها.