وأما كون العلل أمات مسلم في حق الله - جل جلاله - جعلها أمارات لإيجابه القديم، وأما في حقنا فليست كذلك، بل هي موجبة؛ لأنا مبتلون بنسبة الأحكام إلى العلل، فإذا وُجِدَت العلّة الشرعية وجد حكمها بها لا محالة (1) .
رابعًا: الفرق بين العلة والحكمة:
سبق بيان أن العلةَ هي الوصف الصالح المؤثر في ثبوت الحكم في الأصل متى وجد مثله في الفرع.
أما الحكمة فهي الفائدة التي يتوقع حصولها من العمل بالحكم: أي الباعث على تشريع الحكم من المصلحة التي قصدها الشارع، وقد تكون تلك المصلحة جلب منفعة على العباد، وقد تكون دفع مفسدة عنهم، أو تقليل المفسدة، وتكميل المنفعة.
وهذا مثل حرمة شرب الخمر، فإن حرمة الشرب حكم وكون المشروب خمرًا علّة، وصيانة الإنسان عما يذهب عقله حكمة، فيدور حكم الحرمة على علّته: يعني كون المشروب خمرًا فمهما وجدت الخمر ثبت حكم الحرمة، ولا يدور مع الحكمة، فلو وجد رجل لا يذهب عقله بشرب الخمر لا ينتفي حكم الحرمة في حقه؛ لأن العلّة وهي كون المشروب خمرًا باقية.
وكذلك حكم قصر الصلاة علّته السفر وحكمته الاحتراز عن المشقّة، فيدور الحكم على علّته، وهو السفر دون حكمته، وهي المشقة فلو وجد مسافر لم تحصل له أية مشقة كما في عصرنا في سفر الطائرات والسيارات السريعة لا ينتفي حكم القصر؛ لأن العلّة باقية، وهي السفر، وبالعكس لو حصلت لرجل مشقّة شديدة في بلده أو وطنه الأصلي لا يجوز له أن يقصر الصلاة؛ لأن العلّة منتفية وهي السفر.
(1) ينظر: شرح ابن ملك 2: 793-794، ونور الأنوار وقمر الأقمار 2: 151