ضرورة سير المصالح في ظل جوهر الدين المكون من صريح النصوص والأحكام وما تمّ عليه بالإجماع، بمعنى أنه لا يجوز بناء حكم على مصلحة إذا كان في ذلك مخالفة لنصّ كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس تمّ الدليل على صحته، حتى قال الشاطبي (1) : لو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل لجاز إبطال الشريعة بالعقل، وهذا محال باطل، وبيان ذلك أن معنى الشريعة أنها تحدّ للمكلفين حدودًا في أفعالهم وأقوالهم واعتقاداتهم، وهو جملة ما تضمّنته، فإن جاز للعقل تعدي حد واحد جاز له تعدي جميع الحدود؛ لأن ما ثبت للشيء ثبت لمثله، وتعدي حد واحد هو معنى إبطاله: أي ليس هذا الحد بصحيح، وإن جاز إبطال واحد جاز إبطال السائر، وهذا لا يقول به أحد لظهور حاله.
أن الصلاح والفساد في الأفعال يعتبر كلّ منهما أثرًا وثمرة لأحكام الشارع على الأشياء من تحريم وإباحة وإيجاب… وإلا لبطل أن تكون المصالح فرعًا للدين، بل تصبح حينئذٍ أساسًا ينبع منه الدين، كما رأينا ذلك لدى معظم أرباب النظم الوضعية.
لا يصح للخبرات العادية أو الموازين العقلية والتجريبية أن تستقل وحدها بفهم مصالح العباد أو تنسيقها، فلا يجوز الاعتماد على ما قد يراه علماء الاقتصاد وخبراء التجارة من أن الربا لا بد منه لتنشيط الحركة التجارية والنهوض بها مثلًا.
فلا بد إذًا أن يعرض نتاج خبرات الناس وتجاربهم وعلومهم على نصوص الشريعة وأحكامها الثابتة، فإن كان بينها اتّفاق أخذ بها، وكان النص هو المُحَكَّم في ذلك، وإن كان بينها تعارض بأن كان ما رآه الناس مصلحة يعاكس النص الشرعي الثابت وجب إهمال تلك المصلحة.
أما إذا وجدنا أن نصوص الشريعة غير متعرّضة لهذه التجارب والخبرات سلبًا ولا إيجابًا، فإنه يؤخذ بها، وتصبح معتمدة في حياة الناس.
(1) في الموافقات 1: 87-88.