ومن أدلة هذا قوله - جل جلاله: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (1) ، وقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } (2) . (3)
ثالثًا: ضوابط المصلحة الشرعية:
إن المصلحة بحدّ ذاتها ليست دليلًا مستقلًا من الأدلة الشرعية شأنها كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، حتى يصح بناء الأحكام الجزئية عليها وحدها كما قد يتصورها أي باحث، وإنما هي معنى استخلص من مجموع جزئيات الأحكام المأخوذة من أدلتها الشرعية: أي أننا رأينا من تتبع الأحكام الجزئية المختلفة قدرًا كليًا مشتركًا بينها، هو القصد إلى مراعاة مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم.
فلا يقال إن العقل يستطيع أن يستقل بفقه المصلحة في جزئيات الأمور؛ لسببين:
أولًا: لو كان كذلك لكان العقل حاكمًا قبل مجيء الشرع وذا باطل عند جمهور المسلمين.
ثانيًا: لو صحّ ذلك؛ لبطل أثر كثير من الأدلة التفصيلية للأحكام.
ومن هنا تعلم أن موقع الضوابط الآتية من المصلحة هو موقع كشف وتحديد لا موقع استثناء وتضييق: أي أن ما وراء هذه الضوابط ليس داخلًا في حدود المصلحة وإن توهم متوهم أنه قد يدخل، ومن ثم فلا يتصوّر التعارض بين المصلحة الحقيقية وأدلة الأحكام بحال، وإنّما التعارض كائن بين أدلة الأحكام وما توهّمه الباحث مصلحة.
(1) سورة القصص: من الآية50.
(2) سورة النساء:59.
(3) ينظر: ضوابط المصلحة ص60-68.