الصفحة 217 من 302

أن القياس عمل بغالب الرأي والظن لا بطريق التيقن، ولا شك في خفاء طريق الاجتهاد، ولا شك في تفاضل الناس في باب الاجتهاد، فكان العمل باجتهاد من هو أبصر لوجه الحق أولى، وإن اجتهاد الصحابي - رضي الله عنهم - فوق اجتهاد التابعي لوجوه منها:

زيادة جهدهم وحرصهم في بذل مجهودهم في طلب الحق والقيام بما هو سبب قوام الدين، والنصوص في ذلك كثير سبق ذكر بعضها.

أن الصحابة - رضي الله عنهم - شهدوا الأسباب والحوادث التي نزلت الأحكام لأجلها، والقياس يبتنى على معرفة معانٍ وأسباب نزلت النصوص مع الأحكام لأجلها حتى إذا وجد في غير المنصوص عليه مثل تلك المعاني يقضي فيها بمثل تلك الأحكام.

أنه يحتمل أن يكون عند الصحابي خير في ذلك فيحكم ويفتي به، وهو الظاهر والغالب من حاله أنه يفتي بالخبر أولًا، وإنما يفتي بالرأي عند الضرورة ويتشاور مع القرناء؛ لاحتمال أن يكون عندهم خبر.

إنه لا يجوز تقليد الصحابي - رضي الله عنه - إلا فيما لا يدرك بالقياس، وهو قول أبي الحسن الكرخي - رضي الله عنه -؛ لأن الظاهر أن الصحابي الفقيه لم يقل بقول مخالف القياس إلا عن حديث ثابت عنده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيجب حمله عليه.

إن تقليد الصحابي - رضي الله عنه - واجب إذا كان من أهل الفتوى ولم يوجد من أقرانه خلاف ذلك، أما إذا خالفه غيره من الصحابة - رضي الله عنهم - يجب تقليد البعض، ولكن يجب ترجيح قول البعض بالدليل (1) ، قال السمرقندي (2) : (( وهو الأصح ) ). ويستدل بما يستدل للقول الأول إجمالًا (3) .

(1) وهنا أقوال أخرى منها: لا يجب تقليد الصحابي إلا أن يكون قوله موافقًا للقياس، وقال بعضهم: يجب تقليده الخلفاء الراشدين وتقليد أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم -. ينظر: الميزان 2: 697-298.

(2) في ميزان الأصول 2: 698.

(3) ينظر: ميزان الأصول 2: 697-705، والفصول في الأصول 3: 358-366، وأصول البزدوي وكشف الأسرار للبخاري 3: 217-218،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت