الصفحة 221 من 302

إن الاحتجاج بالاستصحاب إنما يتحقق في كلّ حكم عرف وجوبه: أي ثبوته بدليل، ثم وقع الشك في زواله، فالاستصحاب يكون حجة للدفع لا للإثبات والاستحقاق (1) : أي لدفع إلزام الغير، لا لإلزام الغير (2) ، فمعنى الدفع أن لا يثبت حكم وعدم الحكم مستند إلى عدم دليله، فالأصل في العدم الاستمرار حتى يظهر دليل الوجود؛ لأن الدليل الموجب لا يدلّ على البقاء، وهذا ظاهر، فبقاء الشرائع بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - ليس بالاستصحاب، بل لأنه لا نسخ لشريعته، فيكون البقاء للدليل، وكلامنا فيما لا دليل على البقاء (3) .

فالاستصحاب لا يصلح حجة لإثبات حكم مبتدأ، ولا للإلزام على الخصم بوجه، ولكنه يصلح لإبلاء العذر وللدفع فيجب عليه العمل به في حقّ نفسه، ولا يصح له الاحتجاج به على غيره قوله (4) .

(1) هذا مذهب أكثر المتأخرين من أصحابنا مثل القاضي الإمام أبي زيد والشيخين وصدر الإسلام أبي اليسر ومتابعيهم، وعليه المتون من التنقيح 2: 202، والمنار 2: 152، وغيرهما، وعند الماتريدي ومشايخ سمرقند وصاحب الميزان 2: 934، والشافعي - رضي الله عنه - الاستصحاب حجة في كل شيء ثبت وجوده بدليل، ثم وقع الشك في بقائه؛ لأن بقاء الشرائع بالاستصحاب، ولأنه إذا تيقَّنَ بالوضوء، ثمّ شكّ في الحدث يُحكم بالوضوء وفي العكس بالحدث. وقال كثير من أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي وأبو الحسين البصري وجماعة من المتكلمين: إنه ليس بحجة أصلا لا لإثبات أمر لم يكن ولا لإبقاء ما كان على ما كان. ينظر: التوضيح 2: 204، وكشف الأسرار للبخاري 3: 407.

(2) ينظر: غمز عيون البصائر 1: 242.

(3) ينظر: التوضيح والتلويح 2: 203، ونور الأنوار 2: 152-153، وكشف الأسرار للبخاري 3: 408.

(4) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 3: 408.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت