الصفحة 222 من 302

ويستدل له بحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاه الشيطان، فقال: إنك قد أحدثت، فليقل: كذبت إلا ما وجد ريحًا بأنفه أو صوتًا بأذنه) (1) ، حكم باستدامة الوضوء عند الاشتباه، وهو عين الاستصحاب، وبالإجماع وهو أنه إذا تيقَّن بالوضوء، ثم شك في الحدث جاز له أداء الصلاة ولم يكن الوضوء ولو تيقن بالحدث، ثم شكّ في الوضوء يبقى الحدث، وكذا إذا تيقن بالنكاح، ثم شكّ في الطلاق لا يزول النكاح بما حدث من الشكّ، وهذا كله استصحاب.

واستدلّ على أن الاستصحابَ لا يصلحُ حجّة للإثبات بأن الدليلَ الموجب للحكم لا يدل على البقاء، وهذا ظاهر ضرورة أن بقاء الشيء غير وجوده؛ لأنه عبارة عن استمرار الوجود بعد الحدوث، وربما يكون الشيء موجبًا لحدوث الشيء دون استمراره.

وإن بقاء الوضوء والحدث والملكية والزوجية ليست مبنية على استصحاب الإثبات، بل على أن الوضوءَ والبيع والنكاح ونحو ذلك يوجب أحكامًا ممتدة إلى زمان ظهور المناقض: كجواز الصلاة، وحل الانتفاع، والوطء، وذلك بحسب وضع الشارع، فبقاء هذه الأحكام مستندة إلى تحقق هذه الأفعال مع عدم ظهور المناقض، لا إلى كون الأصل فيها هو البقاء ما لم يظهر المزيل، وهذا ما يقال إن الاستصحاب حجة لإبقاء ما كان على ما كان، لا لإثبات ما لم يكن ، ولا للإلزام على الغير (2) .

ثالثًا: من أمثلة الاستصحاب:

حياة المفقود فلا يرث؛ لأن الإرث من باب الإثبات، فلا يثبت به، ولا يورث؛ لأن عدم الإرث من باب الدفع، فيثبت به.

الصلح على إنكار المدعي عليه يصح؛ لأن الاستصحابَ لا يصحّ حجةً للإثبات، فلا يكون براءة الذمة حجّة على المدعي، فيصح الصلح.

(1) في سنن أبي داود 1: 336، ومسند أحمد 3: 12، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره. وصحيح ابن حبان 6: 388، والمستدرك 1: 470، وغيرها.

(2) ينظر: التلويح 2: 203-204.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت