وفي هذا الحديث بيان لمراتب الأدلة في استخراج الأحكام، وكذلك على اعتماد القياس من الأدلة الشرعية، وهذا هو الأساس في أصول الفقه؛ لأن علم الأصول يدور في مسائله حول ذلك، وبذلك يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرف الأدلة الإجمالية التي يجب ألا يتعداها المجتهد، وهي مصادر الأحكام الشرعية كالكتاب الشريف والسنة المطهرة والإجماع والقياس.
وهنا ينبغي الانتباه أن هذه الأصول كان راسخة في نفوس الصحابة المجتهدين - رضي الله عنهم - بتعليم وإرشاد من رسول الخلق - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن معاذ - رضي الله عنه - ذكرها وفصَّلها بمجرد سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - له، بما أرضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه؛ لأنه لم يخالف النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رسمه وعلمه لهم، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (1) : (( وقد درب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحابة - رضي الله عنهم - على الرأي والاستنباط في أحكام النوازل غير المنصوص عليها من النصوص، بإرجاع النظير إلى النظير، وكان المجتهدون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون بالرأي وكذلك الفقهاء من التابعين ) ).
وقد طبقت هذه الأصول من الصحابة - رضي الله عنهم - بمحضر النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي زمنه؛ لأن مجموعة من الصحابة - رضي الله عنهم - كانت تفتي في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة وخارجها، قال سهل بن أبي حثمة - رضي الله عنه: (( كان الذي يفتون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت ) ) (2) .
(1) في تأنيب الخطيب ص168.
(2) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص20، وغيره.