والمراد بالنفس ما يشير إليه كل أحد بقوله: أنا.
وبالعهد السابق: العهد الذي عاهد الإنسان ربه يوم الميثاق (1) ، قال - جل جلاله: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } (2) إخبار عن عهد جرى بين الله - جل جلاله - وبين بني آدم، وعن إقرارهم بوحدانية الله تعالى وبربوبيته، والإشهاد عليهم دليل على أنهم يؤاخذون بموجب إقرارهم من أداء حقوق تجب للرب - جل جلاله - على عباده، فلا بُدَّ لهم من وصف يكونون به أهلًا للوجوب عليهم (3) .
والآدمي يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه، وما دام لم يولد كان جزأً من الأم يعتق بعتقها، ولم تكن ذمته صالحة؛ لأن يجب عليه الحق من نفقة الأقارب وثمن المبيع الذي اشتراه الولي له، وإن كانت صالحة لما يجب له من الإرث والوصية والنسب، وإذا ولد كانت صالحة يجب له وعليه؛ إذ فقبل الولادة له ذمة من وجه يصلح ليجب له الحقّ لا ليجب عليه، فإذا ولد تصير ذمته مطلقة.
وهذه الوجوب غير مقصود بنفسه، وإنما المقصود أداؤه فلما لم يتصور ذلك في حق الصبيّ جاز أن يبطل الوجوب لعدم حكمه وهو الأداء على التفصيل الآتي:
إن كان من حقوق العباد من الغرم كضمان المتلفات، والعوض كثمن المبيع، ونفقة الزوجات والأقارب لزم الصبي وإن كان لا يعقل، ويكون أداء وليه كأدائه، وكان الوجوب غير خال عن حكمه.
إن كان عقوبة كالقصاص، أو جزاءً كجزاء الفعل الصادر منه بالضرب (4) والإيلام لم يجب على الصبي؛ لأنه لا يصلح لحكم الوجوب، وهو المطالبة بالعقوبة، وجزاء الفعل فيبطل الوجوب.
إن من حقوق الله - جل جلاله - فله حالان:
(1) ينظر: شرح ابن ملك 2: 936.
(2) الأعراف: من الآية172.
(3) ينظر: التوضيح 2: 324.
(4) وأما ضربه عند إساءة الأدب فمن باب التأديب لا من أنواع الجزاء. ينظر: نور الأنوار 2: 253.