والسكر الموجب للحدّ كونه لا يميز بين الأشياء، ولا يعرف الأرض من السماء؛ إذ لو ميز ففيه نقصان، وهو شبهة العدم، فيندرئ به الحدّ، وأما في غير وجوب الحدّ من الأحكام فالمعتبر اختلاط الكلام حتى لا يرتد بكلمة الكفر معه، ولا يلزمه الحدّ بالإقرار بما يوجبه، وهو حرام إجماعًا إلا أن يكون الطريق المفضي إليه مباحًا (1) .
ومن هذه الطرق المباحة:
أن يكون الشرب لدواء مثل البنج الأفيون للتداوي.
أن يكون الشرب بالإكراه، مثل المكره على شرب الخمر بالقتل أو بقطع عضو.
أن يكون الشرب لمضطر، مثل المضطر لشرب الخمر للعطش.
وحكم الشارب بهذه الطرق المباحة كالمغمى عليه، فيمنع صحة الطلاق والعتاق وسائر التصرفات.
وحكم الشارب بطريق محظور لا ينافي الخطاب؛ لقوله - جل جلاله: { لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } (2) ، ويلزمه أحكام الشرع، ويصح عبارته في الطلاق والعتاق والبيع والشراء والأقارير؛ زجرًا له عن ارتكاب المنهي عنه، وتنبيهًا له على أن مثل هذا السكر المحرم لا يكون عذرًا له في إبطال أحكام الشرع.
لكن إن تكلم السكران بكلمة الكفر لا يحكم بكفره؛ لأن الردة تبتني على الاعتقاد، والسكران غير معتقد لما يقوله. وأيضًا إن أقرَّ بالحدود الخالصة مثل الزنا فإنه لا يحدّ؛ لأن الرجوع عن الإقرار بالحدود الخالصة لله - جل جلاله - تعالى جائز؛ إذ لا مكذب له، وقد وجد دليل الرجوع، وهو السكر؛ لأن السكران لا يثبت على ما قال، فأقيم السكر مقام الرجوع.
(1) ينظر: فتح الغفار 3: 106.
(2) النساء: من الآية43.