أن يكون ذلك الخبر مستندًا انتهاؤه إلى الحسّ من مشاهدة أو سماع، فإن ما لا يكون كذلك يجوز دخول الغلط فيه، حتى لو اتفق أهل إقليم على مسألة عقلية لا يحصل لنا اليقين حتى يقوم لنا البرهان، فلو أن أهل مصر أخبروا بحدوث العالم أو بوجود الصانع، لا يكون هذا الخبر متواترًا (1) .
حكم المتواتر:
المعتمد الذي عليه جمهور الأصوليين والمحدثين هو أن العلم الحاصل به علم اليقين كالعيان الذي يوجبه الحس من البصر والسمع، فإنا نجد المعرفة بآبائنا بالخبر مثل المعرفة بأولادنا عيانًا، وهذا العلم المستفاد ضروريّ لا يحتاج إلى تجشم الاستدلال: أي لا يحتاج إلى نظر وفكر، بل يفيد على القلب بمجرد سماعه، ومثاله: كنقل القرآن، وأعداد الصلوات، وعدد الركعات، ومقادير الزكاة، وأروش الجنايات، وأعداد الطواف، والوقوف بعرفات، ونحو ذلك.
وجواز ترتيب المقدمات لا ينافي ذلك كما في بعض البديهيات، وذلك لأن العلم بالمتواتر حاصل لمن ليست له أهلية النظر كالعامي؛ إذ النظر ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول، فمن البين لكل عاقل أن علمه بوجود مكة ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أظهر من علمه بصحة تلك الاستدلالات، والتمسك بالدليل الخفي مع وجود الدليل الظاهر غير جائز، فيكون العلم به ضروري.
وبهذا ظهر الفرق بين العلم الضروري والنظري، فالضروري يفيد العلم بلا استدلال، والنظري يفيده معه، وأيضًا الضروري يحصل لكلّ سامع حتى البُلْه والصبيان، والنظري لا يحصل إلا لمن له أهلية النظر (2) .
الثاني: المشهور:
(1) ينظر: ظفر الأماني ص34-37، وحاشية الرهاوي 2: 615، وبذل المجهود في الأصول ص377، وأصول الشاشي ص80-81، وأحسن الحواشي على أصول الشاشي ص74.
(2) ينظر: ظفر الأماني ص39، والمنار 2: 617، وكشف الأسرار للبخاري 2: 361-363، وشرح ابن ملك 2: 617، وحاشية الرهاوي 2: 617، وإفاضة الأنوار ص177.