سائر الأنبياء- [قال] [1] :"ابن آدم؛ أنتَ أسوَأُ بِرَبِّكَ ظَنًّا حين كُنتَ أكملَ عَقْلًا؛ لأنَّكَ تَرَكْتَ الحرصَ جَنِينًا محمُولًا، وَرَضِيعًا مَكْفُولًا، ثمَّ ادَّرَعْتَهُ [2] عَاقِلًا قد أَصَبْتَ رُشْدَكَ، وبَلَغْتَ أَشُدَّكَ" [3] .
ومعنى"فاستَطْعِمُوني أُطْعِمكُم": سَلُوني الطَّعَام"أُطْعِمكم"بتقْدِير أسبَابِه وتَيْسِير طِلابه: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32] ، ولا يَسْتَنْكِف جبارٌ ولا غَنِيٌّ أنْ يَسْتَطْعِمَنِي؛ فإن ذلك لجهله، لأَنَّ مَا في يَدِهِ ملكي.
وفيه تَأْدِيبٌ للفُقَرَاء؛ أي: اطلُبُوا مِنِّي، فَأَنَا الذي أُطْعِمُهُم: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) } [الذاريات: 58] فالرَّبُّ جل جلاله يُسَخِّرُ السَّحَابَ، ويَسْقِي البلاد، ويُحَرِّكُ القلوب للإعطَاء، ويُحْوِجُ بعضًا إلى بَعْضٍ للنَّفْعِ، وتصرُّفه في عالمه عجيبٌ يَعْجَزُ عنه الفَطِنُ اللَّبِيبُ.
رابِعُها: قوله:"كلكم عارٍ إلَّا ..."إلى آخره، فيه أَنَّ الكُسَى [4] مِنَ الرَّبَ جل جلاله مُتَنَوِّعَةٌ؛ فقد يَكْسُو جسدًا عَريًّا ويكسو ستره الجميل؛ فمن كِسْوَتُهُ لِبَاسُ التَّقْوَى فَلَا قُدْرَةَ لأَحَدٍ على نَزْعِهِ.
والحاصلُ مِن كُلِّ ذلك: التنبيهُ على فقرِ العبدِ، وعَجْزِهِ عن طَلَبِ المَنَافِعِ، وَدَفْعِ المضَارَ إلَّا بِتَيْسِيرهِ.
خامِسُها:"تُخْطِئُونَ"بالهمز، وضَبَطَهُ بعضُ الفُضَلاء بفتح التاء والطاء،
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) ادَّرَعَ الرجُلُ وتَدَرَّعَ إذا لبَس الدَّرعَ، والظاهر أن مُراده: لبست وتسربلتَ بالحرص.
انظر:"تهذيب اللغة" (2/ 201) .
(3) ذَكَرَها الطوفي في"التعيين" (191) .
(4) بضمِّ أَوَّله كما في"تهذيب اللغة" (10/ 310) .