الإحساس بالأمن كان يحول دون استشعار وجوده، خاصة عندما أصبح التوجه العام للحكومات العربية يسير في اتجاه التطبيع الكامل مع العدو اليهودي، حتى حكومة بلاد الحرمين الشريفين!!
ولعل من أهم الحكم المبثوتة في تكفل الله ببقاء الطائفة المجاهدة أن يحفظ بها حالة اليقظة الإيمانية للأمة الإسلامية، لأن الصراع بما يحدثه من أجواء التحدي يعرّفها بعدوها، ويزيل عنه القشرة الرقيقة التي وضعت للخداع والتمويه، مما يؤدي إلى الحيلولة دون تسرب داء الاسترخاء الذي يولده العيش في أجواء السلامة.
على أن الحقيقة هي أن الحرب على الأمة لم تتوقف في يوم من الأيام، وإنما كانت فقط حربا خفية، تمارس من جهة واحدة، لأن الذي كان مُؤمّنًا من طرف العدو هم الحكام العملاء، أما الشعوب فقد كانت دائما محاربة .. محاربة في دينها، ومحاربة في ثقافتها، ومحاربة في خيراتها وثرواتها، ومحاربة بالتجويع للقتل البطيء، ومحاربة بالتفقير لإدخالها في دوامة المشاكل الاجتماعية .. نعم محارَبة بكل هذا، ناهيك عن محاربتها علنا في فلسطين والعراق وكشمير والفلبين .. إلى آخر سلسلة ألوان المعانات التي لا زال الأعداء يصنعونها للأمة منذ عهد الاستعمار.
وقد جاءت الغزوة المباركة لتنقل هذه الحرب من الخفاء إلى العلن، لتجعل الأمة واعية بالعدو، بحيث أبرزت أمامها المخاطر المحذقة بشكل يفهمه الجميع، ويجعل الكل يستشعر حجم الخطر القائم، حتى أصبح الجميع يردد:"كم كنا مخدوعين"!! خاصة أن الضربات بما حملته من النوعية في الأداء استطاعت أن تستخرج المكنون النفسي للأعداء، حتى أصبحنا نسمع بالحرب الصليبية من جديد، بكل الدلالات التاريخية التي يحملها اللفظ، دون أدنى تحرج، وتبين للجميع أنها حملة على المسلمين أكثر من كونها حربا مع المجاهدين، إذ لم تسلم لا المؤسسات الخيرية، ولا حتى البرامج التعليمية للمدارس الدينية، وظهر أن الإسلام هو نفسُه المستهدف إلاّ أن يكون أمريكيا، وعلى مضض.
كما أظهرت هذه الغزوة مدى هشاشة التعايش المزعوم بين المسلمين والصليبين، إذ بمجرد ما وقع الحادث انهارت كل القيم التي كان يتغنى بها الغرب، وسادت مشاعر الحقد، وبرزت ألوان الممارسات العنصرية ضد كل ما هو إسلامي، ليتبين أن سياسة غض الطرف التي تتعامل بها الصليبية العالمية لم يكن الغرض منها إلاّ الاحتواء والتذويب للاستفادة من الطاقات المسلمة في سد النقص عند القارة العجوز.
فالغزوة المباركة بما أوجدته من حالة التوتر بين الأمة وأعدائها التقليديين، تكون قد ساعدت على إحياء حقيقة العدو اليهودي والصليبي في ضمير الأمة، بعد أن كادت تمحى بفعل برامج التطويع التي أفرزتها سياسة سلام الخرفان، وبما حملته من طابع التحدي تكون قد عملت على استثارة الوعي بالأعداء، وعلى الإفاقة من الغفلة التي يشعر معها المسلم بالسلام في الوقت الذي يتحرك فيه الآخر بشكل جاد في اتجاه عملية تطويق محكمة، يكمن خطرها الأكبر في الخنق التدريجي الذي يقتل الجسم بطريقة لا تستشعرها الغالبية ولا تثير استفزاز الجماهير.