إن الحفاظ على هوية الأمة يستدعي الإبقاء على حالة التوتر مع العدو الذي يهدد وجودها، ليس بالمفهوم الانفعالي الذي يخبط في أي اتجاه، ولكن بالحركة المدروسة التي تظل متحركة من موقع الصراع، بكل ما يحمله من طابع التحدي، لأن ذلك هو الذي يحرك القضية في الفكر والوجدان ويورث اليقظة المطلوبة.
نعم قد يكون من المطلوب في المشاريع المحلية في بعض مراحلها أن تعتمد على منهجية الطبخ على نار هادئة، والحرص على البعد عن المواجهة، لأن الحركة المحلية محكومة بمعطيات محددة وأهداف خاصة تفرض عليها حسابات سياسية تُستحضر فيها التفاصيل الجزئية، بخلاف الحركة الجهادية العالمية التي تتحرك من خلال معطيات مفتوحة، ومن أجل أهداف عامة، يلاحظ فيها أولًا تفعيل الثوابت الاستراتيجية، بحيث تنظر إلى الأمة ككل، فتعمل من موقع طلائعي على مواجهة الأخطار الكبيرة!!.
تعتبر الحركة الجهادية العالمية والمتمثلة اليوم في"قاعدة الجهاد"حركة طلائعية استطاعت أن تفرض نفسها على التفكير المعاصر، كخط حركي يستجمع كل مقومات الفاعلية، وكجماعة قريبة من الأمة في كل أقطارها وعلى اختلاف أجناسها، حيث جسدت فعلا أنه لا فرق بين عربي وعجمي، وأن التوحيد هو بطاقة التعريف عند الجماعة المسلمة، ولذلك ترى أن القاعدة تعيش هموم الجميع من غير الانحصار في الحدود الوهمية التي فرضتها الإرادة الاستعمارية.
لكن معايشتها لهموم الأمة معايشة عملية وفعالة، تستعلي عن الانحصار في الدائرة الكلامية التي لا تتجاوز البيانات الاستنكارية والوقفات الاحتجاجية، لأنها أدوات يتبخر مفعولها سريعا في الهواء الطلق، خصوصا إذا لم تستند إلى فعل ميداني يثبت القوة ويدعو الآخر إلى اعتبار وجودك على الساحة. عموما منهجية"القاعدة"في التفاعل مع قضايا الأمة هي التي حررت أفغانستان من الاتحاد السوفيتي، وحررت البوسة من الصرب، وأخرجت أمريكا من الصومال، وقهرت الروس في الشيشان، وتلقن اليوم دروس العز والكرامة لأمريكا وحلفائها في أفغانستان مرة أخرى، وتهدف"القاعدة"من خلال هذه المنهجية إلى كفِّ بأسِ الذين كفروا، قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء:84] ، أما سياسة الاستجداء والاجتهاد في التباكي على عتبات الأعداء فقد ثبت شرعا وواقعا أنها لن ترفع الظلم ولن ترد الحقوق إلى أهلها.