من المعلوم أن الأمة الإسلامية أمة مختارة، اصطفاها الله فجعلها أفضل الأمم، وخصها بمكانة متميرة، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:111] ، وهذه الحقيقة يجب أن تدركها الأمة جيدا، وأن تكون دائمة الحضور في فكرها ووجدانها، لتعرف أنها أخرجت لتكون في الطليعة، ولتوجد في مقام القيادة، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس} [البقرة:143]
ومن ثم لا ينبغي للأمة الإسلامية أن ترضى بالتبعية، ولا يجوز لها أن تدور في فلك الغير، ولا أن تخضع لإملاءات الأمم الأخرى، لأنها ما أخرجت لتقاد وإنما أخرجت لتقود .. هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها الذي وضعها الله فيه، وتحتمه عليها الغاية التي أخرجت من أجلها، وتقرير هذه الحقيقة لا يعني أننا نقفز على معطيات الواقع، ولكنه تذكير بالهدف الذي يجب أن يظل ماثلا أمام الأمة، وبالحقيقة التي يجب أن تبقى حية في فكرها ووجدانها، لأنها تشكل المادة الأولية لقوة الدافع.
والغزوة المباركة بما حملته من الفاعلية التي تجسدت في صناعة الحدث العالمي تكون قد ساهمت بحظ وافر في إخراج الأمة من العيش"في ظل"و"على ضوء"و"تحت تأثير"، بل لقد وضعت الحجر الأساس للانتقال من دائرة المفعول به إلى دائرة الفاعل، وأعادت الاعتبار لمكانتها الأصلية، لأن دورها الحقيقي لا يؤدى إلاّ من خلال ذلك الموقع، خاصة رسالتها العالمية في الدعوة وإقامة الحجة على الناس، وقد رأينا حركة كبيرة في اتجاه التعرف على الإسلام بعد الغزوة، كانت سببا في اهتداء الكثيرين، ولعل بلوغ صوت الإسلام إلى من - لولا أحداث الغزوة لما سمع به - من شأنه أن يرجح عند الله بكل تلك"المشاكل"الجانبية التي يرددها أصحاب المشاريع الجامدة.
لقد كانت غزوة نيويورك وواشنطن حدثا كبيرا بكل المقاييس، استطاعت به الحركة الجهادية أن تضع أمريكا تحت النار، في عملية نوعية أصابت مفاصل الكبرياء الأمريكي فحطمت جبروته الكاذب، وأذاقته مرارة الذل بعدما أصر أصحابها على أن تكون الضربة هذه المرة في عقر دار العدو، ليكون الحدث قريبا من أجهزة الدولة الاستخباراتية والعسكرية والأمنية، وليعلم الجميع أن هذا الوحش أصغر مما يظن الناس، أو لنقل ليعلم الجميع أن المجاهدين أكبر من هذا الوحش الذي يخافه الناس، لتشكل بذلك نقلة نوعية لعل من أبرز مفرداتها:
الذي يميز المجاهدين عن غيرهم أنهم أصحاب فهم صحيح للقدر وتجاوب إيجابي مع الشرع، ففي الوقت الذي ينشغل فيه البعض بالبكاء على الأطلال من خلال تعداد عوامل السقوط القدري في الولايات المتحدة، تجد