ويمكن القول أن تنظيم القاعدة كان يمتلك منذ البداية نظرة استراتيجية ثاقبة، فلذلك سعى لإقامة العلاقات مع كل الحركات الجهادية عبر العالم، وهي علاقات أخذت وقتا وجهدا لا يستهان به من أجل بناء الثقة وإقامة تعاون متين على أرضية صلبة.
كما أن هذا التنظيم ونظرا لدراسته بعمق للتجارب الإسلامية والجهادية منها على وجه خاص، ركز منذ البداية على الجوانب التنظيمية والأمنية لمنع كل أشكال الاختراق، وهذا مما أفاده بشكل كبير لإدارة الصراع مع أمريكا منذ بداية التسعينات. ولهذا يستغرب المرء بشدة لما يجد أن أعتى الاستخبارات الغربية تقدر أعداد المجاهدين المتدربين في معسكرات تنظيم القاعدة (في سنوات 1989 - 2001) بين 10000 و110000 وهو فرق في التقدير شديد الضخامة، مما يبين أن هذا ليس تقديرا وإنما هو تكهن ليس إلا.
أ - إعداد المجاهد
مما لا شك فيه أن تنظيم القاعدة ركز تركيزا خاصا على تكوين الطليعة المجاهدة التي هي عماد العمل الجهادي وركنه الأول، ولذلك كانت النتائج باهرة على جميع الأصعدة. ولهذا يمكن القول بأن المجاهد المتوسط من تنظيم القاعدة هو أفضل تدريبا وإعدادا واستعدادا لمهمته مقارنة بأي مقاتل غوار آخر على الإطلاق.
من الناحية النظرية لم يأل تنظيم القاعدة جهدا في إرساء وتثبيت مختلف النظريات العسكرية اللازمة لتطوير القدرات الجهادية. فالموسوعة الجهادية الشاملة [1] التي هيأها التنظيم لكل المجاهدين أيام الجهاد الأفغاني الأول وعمت كل تفاصيل العمل المسلح، كانت سابقة نوعية منذ ذلك الوقت. فهي عبارة عن حوالي 7000 صفحة (10 مجلدات) وبذلك تعتبر جهدا منقطع النظير في تهييء المجاهد لمشاق طريق الجهاد. وتشمل المواضيع المطروحة التكتيك العسكري، الأمن والاستخبارات، السلاح الخفيف، الإسعافات الأولية، المتفجرات، القنابل اليدوية والألغام، الدروع، تصنيع السلاح، الطوبوغرافيا الخ.
وبعد الجهاد الأفغاني الأول وأمام التحديات الكبيرة التي واجهتها الأمة الإسلامية على مسارح الحرب المختلفة (فلسطين - وسط آسيا - البلقان - القوقاز - كشمير - الفلبين الخ) ، والتي كان لا بد لتنظيم القاعدة حامل راية المشروع الجهادي العالمي أن يتعامل معها، أضاف التنظيم أسسا نظرية جديدة لتحسين القدرات التدريبية والقتالية للمجاهدين. فقد تم إصدار جزء آخر خاص بالعمليات الخاصة، وفيها أبواب تهتم بإعداد أوراق الهوية،
(1) - لقد تمكنت بعض الأجهزة العربية والأسيوية من الحصول على أجزاء متناثرة من الموسوعة منذ سنة 1997، لكن الأجهزة الأمنية البلجيكية كانت الأولى التي تمكنت من العثور على نسخة كاملة لكنها لم تتوفر على الإمكانيات المادية لترجمتها. ولم تحصل C.I.A على نسخة كاملة إلا بعد أن سلمتها إياها المخابرات الأردنية العميلة.