وقفات تربوية
مع غزوة نيويورك وواشنطن
أبو سعد العاملي
الحمد لله رب العالمين القائل {وَلا تَحْسِبَنَّ الَّذيِنَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُون} ، وأشهد أن لا إله إلا الله الفرد الصمد، الجبار المتكبر، الفعال لما يريد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل:"إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشرقها ومغربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها" [مسلم] ، والقائل:"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز أو ذل ذليل، عزًا يعز به الله الاسلام وذلًا يذل به الكفار" [رواه أحمد والطبراني] ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
فإنه مما لا شك فيه أن الأيام دول بين الحق وأنصاره من جهة وبين الباطل وأعوانه من جهة أخرى، وبأن الباطل مهما علت رايته ومهما شع نجمه، فإنه لابد إلى زوال على أيدي معاول أصحاب الحق {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء] ، {بل َنَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق} [الأنبياء 18] .
ومن سنن الله تعالى في هذا الكون أن يسلط أعداءه - في بعض الأحيان- على أصحاب الحق تسليطًا قدريًا، وذلك بسبب تخلف أسباب القوة والتمكين لدى هؤلاء وبعدهم عن المنهج الحق، وامتلاك هذه الأسباب المادية القدرية من قبل أعدائهم، فيتحقق لهم النصر والتمكين على أصحاب الحق.
ولكن في نفس الوقت، لا يمكننا القول أن هذه الفترات شر كلها بل قد يكون فيها الخير الكثير لأصحاب الحق، باعتبار أنها تجعلهم يتعرفون على حقيقة الباطل ويذوقون من بطشه وذله، وهذا بدوره يدفعهم إلى البحث عن تجاوز مرحلة الهزيمة والرجوع إلى وضعهم الطبيعي والشرعي {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكاَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء] .
لقد مرت الأمة الإسلامية بفترات حالكة، تميزت ببعدها عن منهج ربها وتمكُّنِ الأعداء منها، ولكن سرعان ما كانت تتدارك الأمر فتعود الأوضاع إلى سابق عهدها {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله} [آل عمران] . فكانت الحلقة الأخيرة من سلسلة الكبوات تلك التي تعيشها الأمة منذ إسقاط الخلافة العثمانية في الربع الأول من القرن الماضي، والتي تميزت بالسيطرة المطلقة لقوى الكفر والردة على مناصب الحكم، بعدما قسّموا الأمة الإسلامية إلى أجزاء متناثرة، ووضعوا الحدود والسدود لعزل الشعوب ومنعها من العودة إلى دينها لتغيير الأوضاع. ولكن رغم كل هذا خرجت جماعات الحق من تحت ركام الذل والصغار، جماعات متناثرة هنا وهناك، قدمت الغالي والنفيس وسبحت ضد التيار وخالفت كل الأعراف والقوانين الوضعية، فأحيت