وقد رأينا هذا العنصر أكثر حضورًا وأعمق تجذرًا في هؤلاء الأبطال الذين قضوا نحبهم في الغزوة، وفي الذين ينتظرون داخل التنظيم، لإيقاع المزيد من الأذى والألم والنكاية في الأعداء.
وما كان لهم أن يحققوا ما حققوه من نجاح في هذه الدنيا وينالوا ما نالوه من شهادة عليا - عند ربهم -، بغير الانضباط والطاعة لقياداتهم.
كثيرون هم الذين يدّعون الجهاد ويتمنون لقاء الأعداء للإثخان فيهم، ولكن القليل من هذا الكثير من له الشجاعة الكافية في تخطي كل العقبات - المادية والمعنوية - لتنفيذ ادعاءاته. فالمسلم يتمنى أن يلتحق بجماعة أو تنظيم جهادي، خاصة إذا كان على مستوى تنظيم قاعدة الجهاد، ولكنه حينما تتاح له الفرصة لذلك، تجده يراجع حساباته وارتباطاته مع الدنيا، فيحجم في آخر لحظة ولا يستطيع اختراق هذا الحاجز الأول. ثم إذا ما نجح في تجاوزه، فإنه يجد نفسه أمام الحاجز الثاني، ألا وهو حاجز الهجرة، حيث يتحتم عليه - في كثير من الأحيان - أن يترك منصبه أو تجارته و أهله وعشيرته ليلتحق بصفوف المجاهدين، وقليل من هذا القليل يملك الشجاعة اللازمة لتجاوز هذا الحاجز الثاني.
ثم إذا ما تجاوزه بنجاح، فسيجد نفسه أمام حاجز ثالث، وهو الالتحاق بصفوف القتال فعلًا وحالًا لا ادعاءًا وقولًا، وهذا هو ذروة سنام الإسلام. وحينما يتجاوزون هذه الحواجز الثلاثة - وقد تجاوزها أبطال الغزوة بكل نجاح - فإنهم وجدوا أنفسهم أمام الحاجز الأخير، وهو تقديم هذه النفس لبارئهم ووضع أرواحهم على أكفهم وتسابقوا إلى خالقهم وهم يهتفون:"عجلنا إليك ربنا لترضى"، فسَمَوْا إلى ذروة سنام الجهاد وهو الاستشهاد في سبيل الله تعالى، نصرة لدينه وإثخانًا في عدوه وعدهم. ولم يكن بإمكانهم تجاوز كل هذه العقبات بغير الشجاعة الفريدة التي تميزوا بها، وهي قوة الدفع الربانية، التي لا يقف في وجهها حاجز.
من بين الشبهات التي يحاول الطغاة ترويجها في حق المجاهدين - ويحذو حذوهم بعض المخذِلين والمتقاعسين الجبناء من دعاة العمل الإسلامي - هو وصف المجاهدين بقلة العلم والفقه، وبأنهم ينجرون وراء قياداتهم بدافع العاطفة أو الإكراه أو غيرها من الدوافع، وهي تهمة قديمة وُوجِه بها الأنبياء وأتباعهم، {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ} [هود: 27] ، وقوله تعالى {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيَِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبِعْ هَوَاهُ، وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف] .
فشباب جماعات الجهاد - ومنهم أبطال الغزوة المباركة -لم يسلموا من هذه التهم، ولكنهم كانوا فوق الشبهات، فقد فقهوا مبادئ وأصول هذا الدين، وفقهوا مبادئ الكفر والردة، وانطلقوا يعملون بما عَلِمُوا، على بصيرة ووفق ما