فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 121

بسبب غزوة 11 سبتمبر، تم بفضل الله سبحانه وتعالى إسقاط أسطورة الدولة العظمى، والقارة الحصينة الآمنة التي يحميها محيطان عظيمان هما الأطلنطي والهادي.

إن قوة الغزوة وخطورتها على العدو الأمريكي لا تكمن فقط فيما أحدثه من خسائر بشرية ومادية، وإنما في الرسالة السياسية التي تركتها في نفوس المستضعفين الأحرار الذين يتوقون إلى الحرية والكرامة والعزة، وأيضا في التخبط والارتباك الذي أحدثته في سياسته والتي ما زال يعاني من تداعياتها إلى يومنا هذا لأنه لم يكن يتوقعها، بل كانت أكبر من خياله، بحيث دهمت هبل العصر/أمريكا من حيث لم يحتسب أو يقدر، لأنه كان منصبا على تحقيق الأمن المطلق لمواطنيه من خلال بناء درع صاروخي يواجه به أي هجوم محتمل من ما يطلق عليه ب"الدول المارقة"، وإذا الضربة تأتيه في عقر داره ومن أناس لم يعتقد العدو أنهم بذلك الفكر و تلك الإرادة وأيضا القدرة.

إنهم أحرار العالم وممثلي المستضعفين في هذه الأرض وعشاق الحرية الحقيقيين أبناء الإمام بن لادن حفظه الله، وهو ما لم تحلم به مخابراته الغبية أو كان يدور بخلدها، بل ما لم يعرفه المواطن الأمريكي منذ الحرب الأهلية في أواسط القرن 19.

إن الغزوة المباركة تشكل منعطفا سياسيا رئيسيا في تاريخنا المعاصر، لأنها وضعت قوة أمريكا في الميزان، وأن هذه الأخيرة لن تعود كما كانت في السابق مهما حاولت، وهذا ما ذهب إليه المؤرخ الأمريكي المعروف"بول كندي"حيث اعتبر أن البداية الحقيقية للقرن 21 تم تدشينها بالضربات القاتلة، ومن تم فهذه الهجمات هي حدث فارق في التاريخ الإنساني، ولذلك مهما حاولت أمريكا استعادة توازنها وتأكيد هيمنتها فلن تعود كما كانت قبل انهيار رموزها، أي البنتاغون ومركز التجارة العالمي.

وعليه، فلقد أعادت غزوتي نيويورك وواشنطن أمريكا إلى حجمها الحقيقي، حيث يجري عليها من السنن ما يجري على غيرها، أي من الضعف والقوة، ومن عوادي الزمان، لأنها كانت متألهة حتى ظن عبيد أمريكا بأنها لا يعجزها شيء مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس: 24) ، بل ودخلت في أطوار بداية الهبوط والانحطاط، وحركة عوامل الضعف ظاهرة للعيان في سلوكها السياسي الهستيري، وأن الانحطاط كما يعلم أهل السياسة والتاريخ في العادة يكون غير محسوس، وأن نتائجه تحتاج إلى وقت، وأنها إن شاء الله مؤشر قوي عل بداية نهوض المستضعفين الذين قال فيهم الله عز وجل في كتابه الحكيم: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص: 5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت