فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 121

والحقيقة أن المجاهدين قد قدموا - عبر جهادهم الطويل - هذه الدروس مرات عديدة .. قدموها في أفغانستان ضد"الإتحاد سوفيتي"، وقدموها في البوسنة والهرسك ضد الصرب، ولا زالوا يقدمونها يوميا في الشيشان ضد الروس، ويتفنّنون في العرض مرة أخرى في أفغانستان مع أمريكا وحلفائها، لكن قليلٌ هم الذين سمعوا بتلك الدروس، وقليل من هذا القليل الذين استوعبوها، لأن السياسة الإعلامية العالمية تتحرك دائما في الاتجاه الذي يحرم الشريحة الواسعة من الأمة أن تذوق لذة النصر أو تستفيد من الدرس.

أما في الغزوة المباركة فإن الإعلام لم يجد ما يخفيه، فقد قرر المجاهدون هذه المرة أن يكون الدرس على الهواء مباشرة، لكسر هيبة أمريكا أمام الجميع، ولتتحطم مع تحطم كبريائها تلك الأغلال المضروبة حول الإرادة الإسلامية، من خلال جعل ما هو مستحيل في تصور البعض داخلا تحت دائرة الممكن، وقد كان لهم - بفضل الله - ما أرادوا، وعلّموا الأمة الإسلامية أنها قاردة حين تريد، وأن مشكلتها الحقيقية ليست في قلة العدد أو العدة، ولكنها كما قال صلى الله عليه وسلم: (بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يكثر فيكم الوهن) [أحمد] .

القاعدة - ما شاء الله - خططوا، وتحركوا، ونفذوا، وذهب الشهداء إلى ربهم، وانسحب الآخرون بفضل الله لم ينلهم سوء، وتغير وجه العالم كلِّه في ساعتين، والمنهزمون لايزالون إلى الآن يتساءلون: هل حقا يمكن أن يكون الفاعل هو تنظيم"القاعدة"أم أنها مجرد خديعة يهودية؟ وهو تساؤل لم يكن ناتجا بالأساس عن قلة المعطيات التي تقود إلى الحقيقة، لأنه لو كان كذلك لكانوا معذورين، ولكن المصيبة أن أصحابنا يفكرون بعقول قد وقعت - منذ زمن - أسيرةَ الحالة النفسية التي تغلغل فيها الوهن!!

إن الحل ليس في البكاء على الأطلال، ولا هو في النياحة لاستعطاف الآخرين، ولا حتى في التصعيد الخطابي الذي لا يتجاوز الدائرة الكلامية .. كل هذه المناهج لا يمكن أن تعالج المرض، بل ربما تكون لها آثار عكسية، ولكن الحل يكمن في عمل جاد ومستمر يحمل روح التحدي ويسير في اتجاه كسر حاجز الخوف وإعادة الثقة في النفس، لتتحرر الإرادة الإسلامية من الأغلال التي تجعلها مسلوبة الفاعلية.

لقد خضعت أمتنا الإسلامية لعملية تخذير خطيرة المفعول، فقدت على إثرها اليقظة الإيمانية، وأدخلتها في سبات عميقٍ كان من أخطر آثاره أنّ أكثر المسلمين لم يعودوا قادرين على التمييز بين من هم الأعداء ومن هم الأولياء، لأن مخلفات خيار السلام وتداعيات مسلسل التطبيع قد خلطت الأوراق بشكل كبير، وميعت المفاهيم بشكل خطير، حتى لقد أصبح الوضع يوحي بوجود حالة تهديد حقيقي لقضية الهوية!!

عندما قامت انتفاضة الأقصى كان من أهم ما قدمته للأمة الإسلامية أن أحيت في وعيها الإحساس بالعدو، إذ رغم أنه كان موجودا وينخر في الجسم بقوة إلاّ أن حالة الاسترخاء التي أوحت بها طاولة المفاوضات وجو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت