فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 121

وكأني بلسان حال هؤلاء المتفرجين يقول:"قلوبنا من الآن معكم، أما ألْسِنَتُنَا فَتنتظر ما ستسفر عنها المعارك لتقول كلمتها، وأما جوارحنا فهي مكبلة فاعذرونا"، وهذا هو حال غالبية المسلمين اليوم تجاه الأحداث.

صمت وترقب، لامبالاة وجمود، حسرة وأسى، ولا شيء يُتَرجَمُ فعلًا على أرض الواقع، بل إن الكثير من هؤلاء قد فقَدَ حتى ذلك التفاعل السلبي، ولم يعد يملك الوقت للتفرج أو الترقب، فتراه لاهيًا يحرق ساعاته في اللهو واللعب أو في الركض وراء لقمة العيش الملوثة بالذل والصغار في ظل أنظمة الكفر والردة.

إن تأثير الغزوة المباركة على نفوس هؤلاء كبير، لكنهم وضعوا رؤوسهم في رمال اللامبالاة، يحاولون إشغال أنفسهم في متطلبات الحياة اليومية للابتعاد عن متطلبات النصرة والتأييد للمجاهدين الأخيار.

إن الموقف الواجب اتخاذه تجاه هؤلاء هو المحافظة على بصيص الأمل لضمهم إلى صفوف الأنصار، والحفاظ على رابط العلاقة الطيبة بيننا وبينهم بالتعامل الحسن والكلمة الطيبة والعمل الدؤوب والتضحية المستمرة أمام أعينهم لعلَّ هذا سيؤدي في آخر المطاف إلى كسب قلوبهم واستمالتها إلى صف الحق من أجل البذل والعطاء، وهذا لعمري من أفضل الوسائل وأحكمها بدلًا من إعلان الحرب عليهم.

فكانت هذه أهم الطوائف الموجودة داخل ساحة الصراع أو حولها، منها من يشارك مباشرة في هذه الحرب الصليبية، ومنها من يساهم بطريقة غير مباشرة، ومنها من يقف موقف الحياد يتفرج على المعركة وينتظر نتائجها، والقاسم المشترك بين هذه الطوائف هو تأثرها المتفاوت بهذه الغزوة المباركة، حيث تغيرت أوضاعها ووسائل عملها بل طالت حتى طرق تفكيرها ومناهجها، فكانت هذه الغزوة بمثابة زلزال عنيف أحدث تغييرات جذرية في النفوس والأفكار ومناهج العمل على حد سواء، وإذا صحَّ لنا أن نطلق عليها اسما فإن هذه الحرب الجديدة - مع انطلاقتها الموفقة في نيويورك وواشنطن - تستحق أن توصف بالحرب العالمية الثالثة، نظرًا للتغييرات الكبيرة والتشققات العظيمة التي أحدثتها في جميع بنيات العدو ولا تزال مرشحة للارتفاع.

فالذي ينبغي أن نخلص إليه في نهاية هذا البحث هو أن هذه الغزوة قد أيقظت الأمة وبصَّرتها بالمخاطر والمكائد التي كانت تحاك من أجل تركيعها واستغلالها وإفسادها وهي لا تعلم، كما أن تنظيم"قاعدة الجهاد"بقيادة الشيخ المبارك أسامة بن لادن وحركة طالبان بقيادة أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد، قد أحيوا فريضة الجهاد وأعادوا فقه الجهاد إلى ساحة التطبيق، كما واستطاعوا أن يجمعوا شتات المجاهدين في تنظيمات محكمة ووفق تخطيط موفق ودقيق، يراعي مصالح الإسلام أولًا ويضحي في سبيل ذلك بالملك والجاه والسلطان. وعاد المسلمون - بفضل هذه الغزوة المباركة - إلى فهم نصوص الكتاب والسنة وكأنها تتنزل عليهم من جديد، كما وعادت الكثير من المفاهيم الشرعية المغيبة إلى واقع الناس لتحل محل المصطلحات الجاهلية والدخيلة على الأمة، وبدأ المسلمون يسترجعون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت