فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 121

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إن التصادم بين حضارة الحق و"حضارة"الباطل حقيقة قدرية لا داعي لإنكارها، ومعطى قائم على امتداد التاريخ، سواء كان هذا التصادم بسبب اختلاف المنطلقات الحضارية أو كان بسبب تضارب المصالح أو كان بهما معًا. وأي محاولة تَطرح إمكانية التعايش الدائم في ظل هذا الاختلاف تبدو ضربا من خيال الحالمين، أو لنقل: إنها - في حقيقة الأمر - ممارسة هروبية لن يستفيد منها إلاّ العدو. خاصة عندما تأتي في مثل الأوضاع الراهنة، والتي تتسم بانتشار النفوذ الغربي، وتنامي أطماعه في مقدرات العالم الإسلامي.

لقد ظل البعض يدعو إلى"الانسجام"الحضاري (في مقابل الصراع الحضاري) طيلة العقود الماضية، واجتهد في هذا الاتجاه إلى الحد الذي جعله يتهم المخالفين له بالتطرف الفكري، فما الذي - يا ترى - جنته الأمة من هذه الدعوة؟ هل تحقق السلام؟ هل عادت فلسطين .. ؟ باختصار: لا، لم يتحقق شيء، بل - على العكس - لقد ساعدت هذه الدعوة على تمييع القضية في عقل ووجدان المسلمين، مما رسخ نفسية الاسترخاء بينهم، في حين أن العدو كان يتحرك بجد في خط الصراع، ويستجمع كل ما أتيح له من المقدمات الضرورية لذلك .. وها هي النتيجة أمام أعين الجميع، إنها الحرب الصليبية تشن على الأمة من جديد، في محاولة واضحة لتكرار تجربة الماضي، وكأن التاريخ - كما قيل - يعيد نفسه مرة أخرى.

ويمكننا من خلال التتبع الموجز لمسيرة هذه الحروب، أن نضع أيدينا على الخلفية الدينية الكامنة وراءها، وأنها كانت دائما تستند إلى تحالف وطيد بين رجال السياسة ورجال الكنيسة، سواء أعلن الصليبيون عن ذلك صراحة أم حاولوا إخفاءه رعاية للمصالح. ولعل هذا ما ظهر بوضوح في الحملة المعاصرة، والتي أعلن"بوش"بصراحة أنها حرب صليبية شاملة.

وقد كان من المطلوب - شرعا وعقلا - أن يقف المسلمون على الدلالات التاريخية التي تحملها هذه الكلمة، أولًا ليستنبطوا منها نوع وطبيعة الحرب معلنة عليهم، وثانيًا ليلتقطوا من خلال إيحاءاتها طبيعة الدور المطلوب في هذه المرحلة. لكن الإرث السلبي لعقود القعود، وعمليات التدليس التي مارسها البعض على العقل الإسلامي كلها عوامل ساعدت على إفراز حالة من التفاعلات الهزيلة لا ترتقي إلى مستوى الحدث الذي يهدد الأمة في مقوماتها الحضارية ووجودها الحقيقي.

وفي هذا الكتاب"الحرب الصليبية المعاصرة: الحقيقة المفضوحة والدور المطلوب"حاول الباحثون أن يقدموا رؤية متكاملة للحدث الذي يواجه الأمة الإسلامية في المرحلة الراهنة، آملين من الله تعالى أن نكون قد وقفنا إلى المساعدة على توعية الأمة بحقيقة الواقع القائم، ورسمنا لها معالم عامة على الطريق المؤدي إلى غد أفضل.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

(التحرير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت