ثم كان عهد عثمان وفيه من التساهل ما لم يكن في عهد الشيخين من قبله ، وكانت رقعة الإسلام قد اتسعت بكثرة الفتوح ودخول كثير من أهل الأمصار المفتوحة في الإسلام ،وتوزع تبعا لذلك الأصحاب على الأمصار ما بين مقيم وغاز، فكانوا يقرؤون القرآن ويقرؤونه للناس ، كل على حسب الحرف الذى سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وربما تساهل البعض منهم فذكر أثناء قراءته تفسيرا لشىء مما يقرأ أو ذكر منسوخا أو دعاء لحصول الأمن من التباس غير القرآن بالقرآن ، كما كان الأمر في مصاحفهم الخاصة التى كتبوها لأنفسهم ،والتى اشتملت فوق هذا على حذف بعض السور كالفاتحة والمعوذتين ثقة بكمال حفظها وأمنا من نسيانها كما قيل في شأن مصحف ابن مسعود، أو إدماج سورة في أخرى دون ذكر البسملة بينهما كسورتى الفيل وقريش حسبما قيل في مصحف أُبَىٍّ على ما في الإتقان وغيره.
فكان أهل الأمصار إذا اجتمعوا في مناسبة من غزو أو حج أو عمرة واختلفوا في قراءة القرآن تبعا لاختلاف مصادرهم في القراءة من الصحابة ففضل البعض قراءة نفسه على قراءة غيره ، ويرى أن قراءته مصحوبة بشىء مما قلناه ، خير من الخالية من ذلك ، على حين يرى الآخر أن القراءة المتمحضة للقرآن المتجردة للمقروء منه عن كل ما سواه أفضل. وقد يصل هذا التفضيل إلى حد التضليل والتفسيق ، بل ربما التكفير.
فلما اشتد الخلاف ، وخشيت الفتنة رأى عثمان رضى الله عنه أن يجمع الناس جميعا على قراءة واحدة هى ما تمحضت للقرآن وتجردت من غيره.
حدث أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أميرالمؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.