فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وإذا كانت الحضارات الإنسانية هى مواضعات بشرية وإبداعات مدنية، لا توصف بالخلود ولا بالإطلاق ، ومن ثم يجوز عليها الموت وإخلاء الطريق لحضارات أخرى وارثة لأممها وشعوبها وتاريخها ، بمعنى أن سنة الصحوة والتجديد قد تأتى في صورة تداول الحضارات ، لا بعثها وتجددها ، فإن الحضارة الإسلامية -وأيضا اللغة العربية- مع أنهما مواضعات بشرية وإبداعات إنسانية، هما استثناء من مصيرموت وفناء الحضارات واللغات ، وذلك لارتباطهما بالمطلق الدينى، وهو الإسلام الخالد والخاتم ، والقرآن الكريم الذى تعهد الله بحفظه بلسان عربى مبين.
ولذلك ، كانت الصحوة وكان التجديد سنة مطردة وقانونا لازما في مسار الحضارة الإسلامية، يقودها إلى النهوض بعد كل ركود، وهذا هو الذى جعل حضارتنا الإسلامية -ومعها اللغة العربية- أطول الحضارات المعاصرة عمرا ، وأرسخها قدما على درب النهوض من العثرات ، وأكثرها استعصاء على فقدان الهوية والخصوصية، لارتباط ذلك فيها بالمطلق الدينى والخالد الإلهى، فهى إبداع مدنى بشرى، حفز إليه وصبغه وحدد معاييره الوضع الإلهى -المتمثل في وحى الله ونبأ السماء العظيم- وتلك خصوصية لحضارتنا الإسلامية تفردت بها دون كل الحضارات.
وإذا كانت الحقبة المملوكية العثمانية، قد مثلت مرحلة التراجع في مسيرة حضارتنا الإسلامية، فإن بواكير الصحوة الإسلامية قد بدأت في بلادنا منذ أكثرمن قرنين من الزمان ، وفى استطاعة المؤرخ لهذه الصحوة أن يتخذ من نداء الشيخ حسن العطار (1180-1250هـ/1711-1835م) أواخر القرن الثامن عشر الميلادى علامة على مرحلة التبلور لبواكير هذه الصحوة، ذلك النداء الذى قال فيه هذا الشيخ الرائد: إن بلادنا لابدأن تتغيز ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها.