فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 424

تقدير اللّه. أما حقيقة الأدب فهي ألا يكون له تقدير إلا ما قدر اللّه. وألا يكون له مع تقدير اللّه، إلا الطاعة والقبول والاستسلام، مع الرضى والثقة والاطمئنان ..

هذه الضوابط يسميها اللّه «العقود» .. ويأمر الذين آمنوا به أن يوفوا بهذه العقود ..

وافتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح. وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية. وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة.

وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية. وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل. وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام للّه والشهادة بالقسط والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها، والحكم فيها بما أنزل اللّه كله والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل اللّه والحذر من عدم العدل تأثرا بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن ..

افتتاح السورة على هذا النحو، والمضي فيها على هذا النهج يعطي كلمة «العقود» معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها اللّه .. وفي أولها عقد الإيمان باللّه ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه، ومقتضى العبودية لألوهيته .. هذا العقد الذي تنبثق منه، وتقوم عليه سائر العقود وسائر الضوابط في الحياة.

وعقد الإيمان باللّه والاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة، والالتزام الشامل والطاعة المطلقة والاستسلام العميق .. هذا العقد أخذه اللّه ابتداء على آدم - عليه السلام - وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض، بشرط وعقد هذا نصه القرآني: «قُلْنَا: اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا. فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً، فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» .. فهي خلافة مشروطة باتباع هدى اللّه الذي ينزله في كتبه على رسله وإلا فهي المخالفة لعقد الخلافة والتمليك. المخالفة التي تجعل كل عمل مخالف لما أنزل اللّه، باطلا بطلانا أصليا، غير قابل للتصحيح المستأنف! وتحتم على كل مؤمن باللّه، يريد الوفاء بعقد اللّه، أن يرد هذا الباطل، ولا يعترف به ولا يقبل التعامل على أساسه. وإلا فما أوفى بعقد اللّه.

ولقد تكرر هذا العقد - أو هذا العهد - مع ذرية آدم. وهم بعد في ظهور آبائهم. كما ورد في السورة الأخرى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا! أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا: إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ. أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ؟» .. فهذا عقد آخر مع كل فرد عقد يقرر اللّه - سبحانه - أنه أخذه على بني آدم كلهم وهم في ظهور آبائهم .. وليس لنا أن نسأل: كيف؟ لأن اللّه أعلم بخلقه وأعلم كيف يخاطبهم في كل طور من أطوار حياتهم. بما يلزمهم الحجة. وهو يقول: إنه أخذ عليهم هذا العهد، على ربوبيته لهم .. فلا بد أن ذلك كان، كما قال اللّه سبحانه .. فإذا لم يفوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت