فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 424

عن ابن عباس قال، لما نزلت:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم"،في القوم الذين كانوا حرَّموا النساء واللحمَ على أنفسهم، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلَفنا عليها؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم"،الآية. [1] .

وقد تضمن الحكم أن اللّه - سبحانه - لا يؤاخذ المسلمين بأيمان اللغو، التي ينطق بها اللسان دون أن يعقد لها القلب بالنية والقصد مع الحض على عدم ابتذال الأيمان بالإكثار من اللغو بها إذ أنه ينبغي أن تكون لليمين باللّه حرمتها ووقارها، فلا تنطق هكذا لغوا ..

فأما اليمين المعقودة، التي وراءها قصد ونية، فإن الحنث بها يقتضي كفارة تبينها هذه الآية: «فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ، أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ. ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ» .

وطعام المساكين العشرة من «أوسط» الطعام الذي يقوم به الحالف لأهله .. و «أوسط» تحتمل أن تكون من «أحسن» أو من «متوسط» فكلاهما من معاني اللفظ. وإن كان الجمع بينهما لا يخرج عن القصد لأن «المتوسط» هو «الأحسن» فالوسط هو الأحسن في ميزان الإسلام .. أو «كسوتهم» الأقرب أن تكون كذلك من «أوسط» الكسوة .. أو «تحرير رقبة» لا ينص هنا على أنها مؤمنة .. ومن ثم يرد بشأنها خلاف فقهي ليس هذا مكانه .. «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» .. وهي الكفارة التي يعاد إليها في اليمين المعقودة عند عدم استطاعة الكفارات الأخرى .. وكون هذه الأيام الثلاثة متتابعة أو غير متتابعة فيه كذلك خلاف فقهي بسبب عدم النص هنا على تتابعها. والخلافات الفقهية في هذه الفرعيات ليست من منهجنا في هذه الظلال. فمن أرادها فليطلبها في مواضعها في كتب الفقه. إذ أنها كلها تتفق على الأصل الذي يعنينا وهو أن الكفارة رد لاعتبار العقد المنقوض، وحفظ للأيمان من الاستهانة بها وهي «عقود» وقد أمر اللّه - سبحانه - بالوفاء بالعقود. فإذا عقد الإنسان يمينه وكان هناك ما هو أبرّ فعل الأبر وكفر عن اليمين. وإذا عقدها على غير ما هو من حقه كالتحريم والتحليل، نقضها وعليه التكفير.

ونعود بعد ذلك إلى الموضوع الأصيل الذي نزلت الآيات بسببه .. فأما من ناحية «خصوص السبب» فإن اللّه يبين أن ما أحله اللّه فهو الطيب، وما حرمه فهو الخبيث. وأن ليس للإنسان أن يختار لنفسه غير ما اختاره اللّه له. من وجهين: الوجه الأول أن التحريم والتحليل من خصائص اللّه الرازق بما يجري فيه التحليل والتحريم من الرزق، وإلا فهو الاعتداء الذي لا يحبه اللّه، ولا يستقيم معه إيمان .. والوجه الثاني أن اللّه يحل الطيبات، فلا يحرم أحد على نفسه تلك الطيبات، التي بها صلاحه وصلاح الحياة فإن بصره بنفسه وبالحياة لن يبلغ بصر الحكيم الخبير الذي أحل هذه الطيبات. ولو كان اللّه يعلم فيها شرا أو

(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [10/ 523] (12356) ضعيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت