أذى لوقاه عباده. ولو كان يعلم في الحرمان منها خيرا ما جعلها حلالا .. ولقد جاء هذا الدين ليحقق الخير والصلاح، والتوازن المطلق، والتناسق الكامل، بين طاقات الحياة البشرية جميعا، فهو لا يغفل حاجة من حاجات الفطرة البشرية ولا يكبت كذلك طاقة بناءة من طاقات الإنسان، تعمل عملا سويا، ولا تخرج عن الجادة. ومن ثم حارب الرهبانية، لأنها كبت للفطرة، وتعطيل للطاقة وتعويق عن إنماء الحياة التي أراد اللّه لها النماء، كما نهى عن تحريم الطيبات كلها لأنها من عوامل بناء الحياة ونموها وتجددها .. لقد خلق اللّه هذه الحياة لتنمو وتتجدد، وترتقي عن طريق النمو والتجدد المحكومين بمنهج اللّه. والرهبانية وتحريم الطيبات الأخرى تصطدم مع منهج اللّه للحياة.
لأنها تقف بها عند نقطة معينة بحجة التسامي والارتفاع. والتسامي والارتفاع داخلان في منهج اللّه للحياة، وفق المنهج الميسر المطابق للفطرة كما يعلمها اللّه. وخصوص السبب - بعد هذا - لا يقيد عموم النص. وهذا العموم يتعلق بقضية الألوهية والتشريع - كما أسلفنا - وهي قضية لا تقتصر على الحلال والحرام في المآكل والمشارب والمناكح. إنما هو أمر حق التشريع لأي شأن من شئون الحياة ..
ونحن نكرر هذا المعنى ونؤكده لأن طول عزلة الإسلام عن أن يحكم الحياة - كما هو شأنه وحقيقته - قد جعل معاني العبارة تتقلص ظلالها عن مدى الحقيقة التي تعنيها في القرآن الكريم وفي هذا الدين. ولقد جعلت كلمة «الحلال» وكلمة «الحرام» يتقلص ظلهما في حس الناس، حتى عاد لا يتجاوز ذبيحة تذبح، أو طعاما يؤكل، أو شرابا يشرب، أو لباسا يلبس، أو نكاحا يعقد .. فهذه هي الشئون التي عاد الناس يستفتون فيها الإسلام ليروا: حلال هي أم حرام! فأما الأمور العامة والشئون الكبيرة فهم يستفتون في شأنها النظريات والدساتير والقوانين التي استبدلت بشريعة اللّه! فالنظام الاجتماعي بجملته، والنظام السياسي بجملته، والنظام الدولي بجملته وكافة اختصاصات اللّه في الأرض وفي حياة الناس، لم تعد مما يستفتى فيه الإسلام! والإسلام منهج للحياة كلها. من اتبعه كله فهو مؤمن وفي دين اللّه. ومن اتبع غيره ولو في حكم واحد فقد رفض الإيمان واعتدى على ألوهية اللّه، وخرج من دين اللّه. مهما أعلن أنه يحترم العقيدة وأنه مسلم. فاتباعه شريعة غير شريعة اللّه، يكذب زعمه ويدمغه بالخروج من دين اللّه. وهذه هي القضية الكلية التي تعنيها هذه النصوص القرآنية، وتجعلها قضية الإيمان باللّه، أو الاعتداء على اللّه .. وهذا هو مدى النصوص القرآنية. وهو المدى اللائق بجدية هذا الدين وجدية هذا القرآن، وجدية معنى الألوهية ومعنى الإيمان ... [1]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1371)