فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 424

إن القرآن منهاج حياة. فهو يحتفل بهذه الجزئية من الحياة الاجتماعية، ويمنحها هذه العناية، لأنه يعالج الحياة كليا وجزئيا، لينسق بين أجزائها وبين فكرتها الكلية العليا بهذا العلاج. فالاستئذان على البيوت يحقق للبيوت حرمتها التي تجعل منها مثابة وسكنا. ويوفر على أهلها الحرج من المفاجأة، والضيق بالمباغتة، والتأذي بانكشاف العورات .. وهي عورات كثيرة، تعني غير ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذه اللفظة .. إنها ليست عورات البدن وحدها. إنما تضاف إليها عورات الطعام، وعورات اللباس، وعورات الأثاث، التي قد لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تهيؤ وتجمل وإعداد. وهي عورات المشاعر والحالات النفسية، فكم منا يحب أن يراه الناس وهو في حالة ضعف يبكي لانفعال مؤثر، أو يغضب لشأن مثير، أو يتوجع لألم يخفيه عن الغرباء؟! وكل هذه الدقائق يرعاها المنهج القرآني بهذا الأدب الرفيع، أدب الاستئذان ويرعى معها تقليل فرص النظرات السانحة والالتقاءات العابرة، التي طالما أيقظت في النفوس كامن الشهوات والرغبات وطالما نشأت عنها علاقات ولقاءات، يدبرها الشيطان، ويوجهها في غفلة عن العيون الراعية، والقلوب الناصحة، هنا أو هناك! ولقد وعاها الذين آمنوا يوم خوطبوا بها أول مرة عند نزول هذه الآيات. وبدأ بها رسول اللّه - عليه الصلاة والسلام.

عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: زَارَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَنْزِلِنَا، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ قَالَ: فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، قَالَ قَيْسٌ: فَقُلْتُ: أَلاَ تَأْذَنُ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: ذَرْهُ يُكْثِرْ عَلَيْنَا مِنَ السَّلاَمَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ، وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنَ السَّلاَمِ، قَالَ: فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَوُضِعَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ، أَوْ قَالَ: نَاوَلُوهُ، مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ، وَوَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا، ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ، وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: ثُمَّ أَصَابَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمَّا أَرَادَ الاِنْصِرَافَ قَرَّبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ سَعْدٌ: يَا قَيْسُ، اصْحَبْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ قَيْسٌ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:ارْكَبْ فَأَبَيْتُ، ثُمَّ قَالَ: إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ قَالَ: فَانْصَرَفْتُ. [1] .

وعَنْ أَنَسٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَأْذَنَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَلَمْ يُسْمِعِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى سَلَّمَ ثَلاَثًا، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْدٌ ثَلاَثًا، وَلَمْ يُسْمِعْهُ فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا سَلَّمْتَ تَسْلِيمَةً إِلاَّ هِيَ بِأُذُنِي، وَلَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ وَلَمْ أُسْمِعْكَ، أَحْبَبْتُ أَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ سَلاَمِكَ، وَمِنَ الْبَرَكَةِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْبَيْتَ فَقَرَّبَ لَهُ زَبِيبًا، فَأَكَلَ نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: أَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ. [2]

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [5/ 332] (15476) 15555 حسن لغيره يشهد له ما بعده

(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [4/ 356] (12406) 12433 صحيح - زيادة مني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت