ولقد كان أشد الكرب على المسلمين، وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق، ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم. فلم يكونوا يأمنون في أية لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق، وأن تميل عليهم يهود، وهم قلة بين هذه الجموع، التي جاءت بنية استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة. ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف: «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا» [1] ..
فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيثة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد اللّه ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون. فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك. وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعا لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين! ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء.
فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان! «وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا» .. فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف، والعودة إلى بيوتهم، بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا، لا موضع لها ولا محل، وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم .. وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها، ثغرة الخوف على النساء والذراري. والخطر محدق والهول جامح، والظنون لا تثبت ولا تستقر! «وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ، يَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ» .. يستأذنون بحجة أن بيوتهم مكشوفة للعدو. متروكة بلا حماية.
وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة، ويجردهم من العذر والحجة: «وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ» ..
ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار: «إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا» ..
وقد روي أن بني حارثة بعثت بأوس بن قيظي إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقولون: «إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ» ،وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا. ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا، فنمنع ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم - صلى الله عليه وسلم - فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول اللّه لا تأذن لهم. إنا واللّه ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا .. فردهم .. فهكذا كان أولئك الذين يجبهم القرآن بأنهم: «إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا» ... [2]
(1) - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد [4/ 381]
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3601)