فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 424

أحد مصادره. أما الشك المطلق في جميع المصادر وفي جميع الأخبار، فهو مخالف لأصل الثقة المفروض بين الجماعة المؤمنة، ومعطل لسير الحياة وتنظيمها في الجماعة. والإسلام يدع الحياة تسير في مجراها الطبيعي، ويضع الضمانات والحواجز فقط لصيانتها لا لتعطيلها ابتداء. وهذا نموذج من الإطلاق والاستثناء في مصادر الأخبار.

ويبدو أنه كان من بعض المسلمين اندفاع عند الخبر الأول الذي نقله الوليد بن عقبة، وإشارة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعجل بعقابهم. وذلك حمية من هذا الفريق لدين اللّه وغضبا لمنع الزكاة. فجاءت الآية التالية تذكرهم بالحقيقة الضخمة والنعمة الكبيرة التي تعيش بينهم ليدركوا قيمتها وينتبهوا دائما لوجودها: «وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ» ..

وهي حقيقة تتصور بسهولة لأنها وقعت ووجدت. ولكنها عند التدبر تبدو هائلة لا تكاد تتصور! وهل من اليسير أن يتصور الإنسان أن تتصل السماء بالأرض صلة دائمة حية مشهودة فتقول السماء للأرض وتخبر أهلها عن حالهم وجهرهم وسرهم، وتقوّم خطاهم أو لا بأول، وتشير عليهم في خاصة أنفسهم وشؤونهم. ويفعل أحدهم الفعلة ويقول أحدهم القولة، ويسر أحدهم الخالجة فإذا السماء تطلع، وإذا اللّه - جل جلاله - ينبئ رسوله بما وقع، ويوجهه لما يفعل وما يقول في هذا الذي وقع .. إنه لأمر. وإنه لنبأ عظيم. وإنها لحقيقة هائلة. قد لا يحس بضخامتها من يجدها بين يديه. ومن ثم كان هذا التنبيه لوجودها بهذا الأسلوب: «وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ» .. اعلموا هذا وقدروه حق قدره، فهو أمر عظيم.

ومن مقتضيات العلم بهذا الأمر العظيم أن لا يقدموا بين يدي اللّه ورسوله. ولكنه يزيد هذا التوجيه إيضاحا وقوة، وهو يخبرهم أن تدبير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لهم بوحي اللّه أو إلهامه فيه الخير لهم والرحمة واليسر. وأنه لو أطاعهم فيما يعن لهم أنه خير لعنتوا وشق عليهم الأمر. فاللّه أعرف منهم بما هو خير لهم، ورسوله رحمة لهم فيما يدبر لهم ويختار: «لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ» ..

وفي هذا إيحاء لهم بأن يتركوا أمرهم للّه ورسوله، وأن يدخلوا في السلم كافة، ويستسلموا لقدر اللّه وتدبيره، ويتلقوا عنه ولا يقترحوا عليه. ثم يوجههم إلى نعمة الإيمان الذي هداهم إليه، وحرك قلوبهم لحبه، وكشف لهم عن جماله وفضله، وعلق أرواحهم به وكره إليهم الكفر والفسوق والمعصية، وكان هذا كله من رحمته وفيضه: «وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ. أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..

واختيار اللّه لفريق من عباده، ليشرح صدورهم للإيمان، ويحرك قلوبهم إليه، ويزينه لهم فتهفو إليه أرواحهم، وتدرك ما فيه من جمال وخير .. هذا الاختيار فضل من اللّه ونعمة، دونها كل فضل وكل نعمة. حتى نعمة الوجود والحياة أصلا، تبدو في حقيقتها أقل من نعمة الإيمان وأدنى!

وسيأتي قوله تعالى: «بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ» فنفصل القول إن شاء اللّه في هذه المنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت