رحمته، ونور، ومغفرة، رغما على أنوف أهل الكتاب، وليعلموا {أن الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} ممن اقتضت حكمته تعالى أن يؤتيه من فضله، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الذي لا يقادر قدره] . [1]
ولقد كان أولئك المسلمون الذين يعدهم القدر لهذا الدور الضخم، ناسا من الناس. منهم السابقون من المهاجرين والأنصار الذين نضج إيمانهم، واكتمل تصورهم للعقيدة الجديدة، وخلصت نفوسهم لها، ووصلوا .. وصلوا إلى حقيقة وجودهم وحقيقة هذا الوجود الكبير واندمجت حقيقتهم مع حقيقة الوجود، فأصبحوا بهذا طرفا من قدر اللّه في الكون لا يجدون في أنفسهم عوجا عنه، ولا يجدون في خطاهم تخلفا عن خطاه، ولا يجدون في قلوبهم شيئا إلا اللّه .. كانوا كما جاء عنهم في هذه السورة: «لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ. أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ. أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» ..
ولكن هؤلاء السابقين كانوا قلة بالقياس إلى الجماعة المسلمة المتزايدة العدد - وبخاصة بعد أن أصبح الإسلام قوة ترهب - حتى قبل الفتح - ودخل فيه من لم يتلق من التربية الإسلامية القسط الكافي، ولم يتنفس في الجو الإسلامي فترة طويلة. كما دخل فيه من المنافقين من آثر المصلحة أو العافية على دخل في القلوب، وتربص بالفرص، وذبذبة بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات القوية المناوئة له في ذلك الحين. سواء معسكرات المشركين أو اليهود! ولقد اقتضت تربية النفوس وإعدادها للدور الكوني الكبير المقدر لها في الأرض جهودا ضخمة، وصبرا طويلا، وعلاجا بطيئا، في صغار الأمور وفي كبارها .. كانت حركة بناء هائلة هذه التي قام بها الإسلام، وقام بها رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - بناء النفوس التي تنهض ببناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، وتقوم على منهج اللّه، تفهمه وتحققه، وتنقله إلى أطراف الأرض في صورة حية متحركة، لا في صحائف وكلمات .. [2]
ونداؤهم على هذا النحو: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فيه لمسة خاصة لقلوبهم، واستحياء لمعنى الإيمان، وتذكير برعايته حق رعايته واستجاشة للصلة التي تربطهم بربهم الذي يناديهم هذا النداء الكريم الحبيب. وباسم هذه الصلة يدعوهم إلى تقوى اللّه والإيمان برسوله. فيبدو للإيمان المطلوب معنى خاص .. معنى حقيقة الإيمان وما ينبثق عنها من آثار. اتقوا اللّه وآمنوا برسوله .. «يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ» .. أي يعطكم نصيبين من رحمته وهو تعبير عجيب. فرحمة اللّه لا تتجزأ، ومجرد مسها لإنسان يمنحه حقيقتها. ولكن في هذا التعبير زيادة امتداد للرحمة وزيادة فيض .. «وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ» .وهي هبة لدنية يودعها
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 843)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4375)