اللّه القلوب التي تستشعر تقواه، وتؤمن حق الإيمان برسوله. هبة تنير تلك القلوب فتشرق، وترى الحقيقة من وراء الحجب والحواجز، ومن وراء الأشكال والمظاهر فلا تتخبط، ولا تلتوي بها الطريق .. «نُورًا تَمْشُونَ بِهِ» ..
«وَيَغْفِرْ لَكُمْ. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ... فالإنسان إنسان مهما وهب من النور. إنسان يقصر حتى لو عرف الطريق. إنسان يحتاج إلى المغفرة فتدركه رحمة اللّه .. «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ» .لتنالوا كفلين من رحمة اللّه. ويكون لكم ذلك النور تمشون به. وتدرككم رحمة اللّه بالمغفرة من الذنب والتقصير .. «لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ. وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ» .. فقد كان أهل الكتاب يزعمون أنهم شعب اللّه المختار، وأنهم أبناء اللّه وأحباؤه: «وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا» .. «وَقالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى» ..
فاللّه يدعو الذين آمنوا إلى استحقاق رحمته وجنته وهبته ومغفرته حتى يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على احتجاز شيء من فضله، وأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، غير مقصور على قوم، ولا محجوز لطائفة، ولا محدود ولا قليل: «وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» ..
وهي دعوة فيها تحضيض واستجاشة واستشارة للسباق إلى الجنة والرحمة. تختم بها السورة ختاما يتناسق مع سياقها كله، ومع الهتاف المكرر فيها لهذه القلوب كي تحقق إيمانها وتخشع لربها وتستجيب لتكاليف الإيمان في الأموال والأرواح. في تجرد وإخلاص.
وبعد فهذه السورة نموذج من النماذج القرآنية الواضحة في خطاب القلوب البشرية، واستجاشتها بأسلوب عميق التأثير. وهي في بدئها وسياقها وختامها وفي إيقاعاتها وصورها وظلالها وفي طريقة تناولها للموضوع وسيرها فيه جولة بعد جولة، وشوطا بعد شوط .. هي في هذا كله درس بديع لأصحاب هذه الدعوة، يعلمهم كيف يخاطبون الناس، وكيف يوقظون الفطرة، وكيف يستحيون القلوب! إنها درس رباني من صانع القلوب، ومنزل القرآن، وخالق كل شيء بقدر. وفي هذه المدرسة الإلهية يتخرج الدعاة المستجابون الموفقون ... [1]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4373)