الرسول والإكرام له، وأمرهم تعالى أن يقوموا بالمأمورات الكبار المقصودة بنفسها، فقال: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} أي: لم يهن عليكم تقديم الصدقة، ولا يكفي هذا، فإنه ليس من شرط الأمر أن يكون هينا على العبد، ولهذا قيده بقوله: {وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي: عفا لكم عن ذلك، {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} بأركانها وشروطها، وجميع حدودها ولوازمها، {وَآتُوا الزَّكَاةَ} المفروضة [في أموالكم] إلى مستحقيها.
وهاتان العبادتان هما أم العبادات البدنية والمالية، فمن قام بهما على الوجه الشرعي، فقد قام بحقوق الله وحقوق عباده، [ولهذا قال بعده:] {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وهذا أشمل ما يكون من الأوامر.
ويدخل في ذلك طاعة الله [وطاعة] رسوله، بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، وتصديق ما أخبرا به، والوقوف عند حدود الله.
والعبرة في ذلك على الإخلاص والإحسان، ولهذا قال: {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فيعلم تعالى أعمالهم، وعلى أي: وجه صدرت، فيجازيهم على حسب علمه بما في صدورهم. [1]
كذلك يعلمهم القرآن أدبا آخر في علاقتهم برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيبدو أنه كان هناك تزاحم على الخلوة برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ليحدثه كل فرد في شأن يخصه ويأخذ فيه توجيهه ورأيه أو ليستمتع بالانفراد به مع عدم التقدير لمهام رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الجماعية وعدم الشعور بقيمة وقته، وبجدية الخلوة به، وأنها لا تكون إلا لأمر ذي بال. فشاء اللّه أن يشعرهم بهذه المعاني بتقرير ضريبة للجماعة من مال الذي يريد أن يخلو برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويقتطع من وقته الذي هو من حق الجماعة. في صورة صدقة يقدمها قبل أن يطلب المناجاة والخلوة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً. ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ. فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
وقد عمل بهذه الآية الإمام علي - كرم اللّه وجهه - فكان معه - كما روي عنه - دينار فصرفه دراهم. وكان كلما أراد خلوة برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لأمر تصدق بدرهم! ولكن الأمر شق على المسلمين. عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ} [المجادلة] صَدَقَةً، قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:مَا تَرَى دِينَارًا؟ قُلْتُ: لاَ يُطِيقُونَهُ، قَالَ: فَكَمْ؟ قُلْتُ: شَعِيرَةٌ، قَالَ: إِنَّكَ لَزَهِيدٌ، فَنَزَلَتْ {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} [المجادلة] الآيَةَ، قَالَ: فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. [2]
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ} [المجادلة] الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَلِيٍّ: يَا عَلِيُّ، مُرْهُمْ أَنْ يَتَصَدَّقُوا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بِكَمْ؟ قَالَ: بِدِينَارٍ، قَالَ: لاَ يُطِيقُونَهُ، قَالَ: فَبِنِصْفِ دِينَارٍ، قَالَ: لاَ يُطِيقُونَهُ، قَالَ: فَبِكَمْ؟
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 847)
(2) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [15/ 390] (6941) حسن