لربِّك ولنفسك ما شئت! قال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم وأموالكم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك، فماذا لنا؟ قال: الجنة! قالوا: ربح البيعُ، لا نُقيل ولا نستقيل! فنزلت: (إن الله اشترى من المؤمنين) ،الآية [1] .
وعن قتادة (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) قال:"قد كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه".وذُكر لنا أنه بايعه ليلة العقبة اثنان وسبعون رجلا من الأنصار، ذُكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعون على محاربة العرب كلها أو يُسلموا. ذُكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: أشترط لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم"قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبيّ الله؟ قال:"لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة"،ففعلوا، ففعل الله" [2] .
ولكن فضل اللّه عظيم. وهو يعلم من تلك النفوس أنها تتعلق بشيء قريب في هذه الأرض، يناسب تركيبها البشري المحدود. وهو يستجيب لها فيبشرها بما قدره في علمه المكنون من إظهار هذا الدين في الأرض، وتحقيق منهجه وهيمنته على الحياة في ذلك الجيل: «وأخرى تحبونها: نصر من اللّه وفتح قريب. وبشر المؤمنين» ..
وهنا تبلغ الصفقة ذروة الربح الذي لا يعطيه إلا اللّه. اللّه الذي لا تنفد خزائنه، والذي لا ممسك لرحمته. فهي المغفرة والجنات والمساكن الطيبة والنعيم المقيم في الآخرة. وفوقها .. فوق البيعة الرابحة والصفقة الكاسبة النصر والفتح القريب .. فمن الذي يدله اللّه على هذه التجارة ثم يتقاعس عنها أو يحيد؟! وهنا يعن للنفس خاطر أمام هذا الترغيب والتحبيب .. إن المؤمن الذي يدرك حقيقة التصور الإيماني للكون والحياة ويعيش بقلبه في هذا التصور ويطلع على آفاقه وآماده ثم ينظر للحياة بغير إيمان، في حدودها الضيقة الصغيرة، وفي مستوياتها الهابطة الواطية، وفي اهتماماتها الهزيلة الزهيدة .. هذا القلب لا يطيق أن يعيش لحظة واحدة بغير ذلك الإيمان، ولا يتردد لحظه واحدة في الجهاد لتحقيق ذلك التصور الضخم الوسيع الرفيع في عالم الواقع، ليعيش فيه، وليرى الناس من حوله يعيشون فيه كذلك .. ولعله لا يطلب على جهاده هذا أجرا خارجا عن ذاته. فهو ذاته أجر .. هذا الجهاد .. وما يسكبه في القلب من رضى وارتياح. ثم إنه لا يطيق أن يعيش في عالم بلا إيمان. ولا يطيق أن يقعد بلا جهاد لتحقيق عالم يسوده الإيمان. فهو مدفوع دفعا إلى الجهاد. كائنا مصيره فيه ما يكون ..
ولكن اللّه - سبحانه - يعلم أن النفس تضعف، وأن الاندفاع يهبط، وأن الجهد يكل وأن حب السلامة قد يهبط بتلك المشاعر كلها ويقودها إلى الرضى بالواقع الهابط ..
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [14/ 499] 17270 صحيح مرسل
(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [23/ 365] صحيح مرسل