فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 403

ثالثا: فإن كان الأمير فاجرا، ولم يوجد غيره، أو لم يتيسر العمل مع غيره إما بسبب عدم العلم بوجود الأصلح أو المشقة الشديدة في الإلتحاق بالأصلح، وبالتالي فإن ترك العمل مع الفاجر يُفَوِّت المصلحة الشرعية في التدريب أو الجهاد، فالكلام هنا من وجهين، وينبني على سؤال وهو هل فجوره في نفسه أو فيما يتعلق بمصالح الإسلام والمسلمين؟

الوجه الأول:

وهو إذا كان فجوره في نفسه، كمن يشرب الخمر أو المخدرات أو يَغُل من الغنيمة أو به فسق أو بدعة، فهذا يُغْزَى معه، طالما فجوره هذا لا يُخِل بقتالِه للعدو ولا يُضَيِّع قضية الجهاد، مع الاستمرار في نصحه ووعظه وتعليمه بما يناسب مثله لعل الله يصلح حاله، وهذا الذي ذكرته أصل مقرر في اعتقاد أهل السنة والجماعة، ومذكور في فقه الجهاد، وهذا الوجه الأول هو المقصود بالغزو مع البر والفاجر، وهو من كان فجوره في نفسه ليس فيما يتعلق بمصالح الإسلام والمسلمين كما سنبينه في الوجه الثاني. ودليل ما ذكرنا من الغزو مع الفاجر في نفسه، ما يلي:

ما ذكره ابن قدامة الحنبلي قال:

(مسألة) قال (ويُغْزى مع كل بر وفاجر)

يعني مع كل إمام قال أبو عبد الله وسئل عن الرجل يقول أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس إنما الفيء عليهم، فقال سبحان الله هؤلاء قوم سوء هؤلاء القَعَدَة مثبطون جُهَّال، فيقال: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم من كان يغزو؟ أليس كان قد ذَهَب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا» ، وبإسناده عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله لا تكفره بذنب ولا تخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال والإيمان بالأقدار» ، ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يُفْضِي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكفر وفيه فساد عظيم قال الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ} ] [1] .

قلت بل قد ذكر ابن تيمية عن احمد كلاما أشد من هذا في المفاضلة بين الأمير الفاجر القوي والصالح الضعيف، فقال ابن تيمية: [اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: اللهم إليك أشكو جَلَدَ الفاجر، وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع ـ وإن كان فيه فجور ـ على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، وقد سُئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغْزَى؟ فقال أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين. فيُغزى مع القوي الفاجر وقد قال النبي صلى الله

(1) - (المغني والشرح الكبير) ج 10 ص 371

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت