عليه وسلم: «َإِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» . وروي «بِأَقْوَامٍ لاَ خَلَاقَ لَهُمْ» . وإن لم يكن فاجرا، كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مَسَدَّه] [1] .
قلت: لاحظ في كلام الإمام أحمد السابق أنه قيد فجور الأمير بأنه (فجوره على نفسه) ، لتعلم صحة التقسيم الذي قسمته إلى من يكون فجوره على نفسه ومن يكون فجوره يضر بالإسلام والمسلمين، وسنذكر كلام الإمام أحمد في الصنف الثاني عند الكلام عنه حيث قال: [لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين] وسيأتي.
وابن تيمية في فتواه بقتال التتار، ذكر الغزو مع الأمير الفاجر فقال: [فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه: كان الواجب أيضا قتالهم دفعا لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما، فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها.
ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لاخلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور، فإنه لابد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يكن إقامة جميعها. فهذا هو الواجب في هذه الصورة، وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ» فهذا الحديث الصحيح يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من قوله صلى الله عليه وسلم: «وَالْغَزْ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ» وما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» إلى غير ذلك من النصوص التي اتفق أهل السنة والجماعة مع جميع الطوائف على العمل بها في جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم، بخلاف الرافضة والخوارج الخارجيين عن السنة والجماعة.
هذا مع إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه «سَيَلي أمراء ظلمة خونة فجرة. فمن صَدَّقهم بكذبهم وأعانهم فليس مني ولست منه، ولا يَرِد الحوض. ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه. وسيَرِد عليّ الحوض» .
فإذا أحاط المرء علما بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة، وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم: عَلِمَ أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض جهاد من يستحق الجهاد، كهؤلاء القوم المسئول عنهم، مع كل أمير وطائفة وهي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة
(1) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 254، 255