الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا. وهي واجبة على كل مكلف. وهي متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريق المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارا. ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم] [1] .
وقال شارح العقيدة الطحاوية: [قوله (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يُبطلهما شيء ولا ينقضهما) الشرح: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الرافضة حيث قالوا الرافضة حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وينادي مناد من السماء: اتبعوه!! وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه. وهم شرطوا في الإمام أن يكون معصومًا، اشتراطا من غير دليل! بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمِ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمِ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ» قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: «لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَاتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَاتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث في الإمامة. ولم يقل إن الإمام يجب أن يكون معصوما] [2] .
وقد أفرد الإمام البخاري رحمه الله لهذه المسألة بابا مستقلا، ولما كانت الأحاديث التي نَصَّت على الغزو مع البر والفاجر لا تخلو من مقال فضلا عن أن تكون على شروطه في الصحة فقد استنبط رحمه الله هذا الحكم ـ جريا على عادتِه في دِقة الإستنباط ـ من حديث «الخيل معقود في نواصيها الخير» ، فقال رحمه الله في كتاب الجهاد من صحيحه، (باب الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» ) ثم روى البخاري عن عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم» . وقال ابن حجر في الشرح [قوله (باب الجهاد ماض مع البر والفاجر) هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه بنحوه أبو داود وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا عن أبي هريرة، ولا بأس برواته، إلا أن مكحولا لم يسمع من أبي هريرة. وفي الباب عن أنس أخرجه سعيد بن منصور وأبو داود أيضا وفي إسناده ضعف. قوله (لقول النبي صلى الله عليه وسلم الخيل معقود إلخ) سبقه إلى الإستدلال بهذا الإمام أحمد، لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسره بالأجر والمغنم، والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلا فدل على أن لا فرق في حصول هذا.
(1) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 506 ـ 508، وراجع كلام ابن تيمية رحمه الله في آخر ص 212 ج 28 من مجموع الفتاوى.
(2) - ص 437