الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر. وفي الحديث الترغيب في الغزو على الخيل، وفيه أيضا بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة، لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون، وهو مثل الحديث الآخر «لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق» الحديث [1] .
قلت: والأمير الفاجر كما يجب الجهاد معه، كذلك تجب الصلاة خلفه، وفي هذا قال شارح العقيدة الطحاوية: [اعلم، رحمك الله وإيانا: أنه يجوز الرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقا، باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد؟! بل يصلي خلف المستور الحال، ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك ـ: فإن المأموم يصلي خلفه، عند عامة السلف والخلف. ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر، فهو مبتدع عند أكثر العلماء. والصحيح أنه يصليها ولا يُعيدها، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يُعيدون، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس - رضي الله عنه -، كما تقدم، وكذلك عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وغيره يُصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط، وكان شارب الخمر، حتى أنه صلى بهم الصبح أربعا، ثم قال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: مازلنا معك منذ اليوم في زيادة!! وفي الصحيح أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لما حُصِرَ صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان: إنك إمام عامة، وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة؟ فقال: يا ابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم ـ إلى قوله ـ وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة، فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع «مخالف» للصحابة رضي الله عنهم. وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور، ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فهنا لا يترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلفه أفضل، فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة، وجب عله ذلك، لكن إذا ولاه غيره، ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بِشَر أعظم ضررا من ضرر ما أظهر من المنكر ـ: فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان. فتفويت الجمع والجماعات أعظم فسادا من الإقتداء فيهما بالإمام الفاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورا فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة] [2] .
قلت: ما سبق تدرك أن هذه المسألة مبنية على عدد من النصوص والقواعد الشرعية، منها:
(1) - (فتح الباري) ج 6 ص 56
(2) - ط المكتب الإسلامي 1403 هـ ص 422 ـ 423